الجوسكا : أي خير سيظنّه الناس بفتاة تسهر حتى منتصف الليل؟


أي خير سيظنه الناس بفتاة تسهر حتى منتصف الليل؟!

تقصد بذلك أنني منحلة، هكذا وبختني إحدى المعلمات منتقمةً بعد خلافٍ تافه وقع بيننا. على الأرجح التقطت تذمري السابق لإحدى الصديقات حول عدم قدرتي على النوم رغم ذهابي للفراش مبكراً ثم استغلته ضدي بدهاء على أول مفترق طرق فصلنا!

حينها كان السهر مطولاً وصمة عارٍ لأي فتاة في زمن البراءة -وإن أصبح فيما بعد رفاهيةً لا تتوافر لمعظم المراهقين الذين ينامون عادةً في الصباح التالي- ولأنني كنت محض طفلةٍ حينها لم أجد أمام سيل التوبيخ عذراً أنسب من حالتي المزمنة مع “الأرق”…

ذلك حتى كبرت وكبرت معي مشاكلي لأدرك أن البعبع الحقيقي كان يقبع منذ البداية في عقلي لا تحت سريري، والحالة المزمنة التي أعاني منها حقيقةً كانت: “أحلام اليقظة وفرط التفكير

روحٌ شائكة كالصبار:

لم تكن تلك أول نكسة تصيبني ولا آخرها للأسف فلدي سجل حافل من التباعد الاجتماعي وقلة الانتباه وبطء التحصيل الدراسي؛ ماذا عساني أفعل وقد ابتلاني الله بعقلٍ لا ينفك عن تخيل ما حدث ويحدث أو قد يحدث وإن لم يحدث ويجد في ذلك متعةً سامة لدرجة أجزم معها أنني

لو أُضِفت إلى الخطايا السبعة سيكون الخيال خطيئتي بلا شك!

ورغم أنني حاولت التصدي لعلّتي مراراً حتى أمضي في الحياة قدماً على نحو صحيح إلا أنني كنت  عالقة بمستنقع الإدمان بالفعل فلم تزدني المقاومة إلا غرقاً، وكأي مدمن بقيت أتجرع تلك المتعة الزائفة باستمتاع، على كلٍ بعد أن أستيقظ من هفوتي يمكنني بذل مزيد من الجهد للتغطية على عيوبي كمن يدهن شقوق جداره القبيحة بطبقة مزدوجة من الطلاء بدل ترميمها.

حتى الصبار المر يزهر:

ووسط طريق النجاح الملتوي الذي كنت أسلكه أهدتني إحدى المعلمات الصالحات كتاب تنمية بشرية على شكل قصص قصيرة فقد كان هوسي بها مكشوفاً لا سيما وأن

متعة الخيال تصبح مضاعفةً مع القراءة

ورغم سقوط معظم قصصه من منافذ ذاكرتي قصيرة الأمد مع مرور الزمن إلا أن واحدة منها تظل عالقة برأسي بعنادٍ لعظم أثرها في نفسي حتى اللحظة.

بذرة أمل:

تتحدث تلك القصة عن شاب ذو ذراع واحدة، طموحه تعلم رياضة الكاراتيه إلا أن معظم المراكز ترفضه لعدم لياقته الجسدية كما يظنون ما عدا مدرباً واحداً علمه حركة واحدة فقط واشترط عليه دخول مسابقة وطنية بعد انتهاء تدريبه ففاز فيها بالمركز الأول رغم أحادية إمكانيته… ذلك أن سبيل خصمه الوحيد لإيقاف حركته كان تثبيته من ذراعه الأخرى غير الموجودة وهكذا تحولت نقطة ضعفه القاتلة لأعظم نقاط قوته لتغرس بذرة الإيمان الشديد بذاك المبدأ في عقلي بعد أن كان لا يتعدى كونه هراء إيجابيين في نظري سابقاً، إلا أنها تلك البذرة لم تثمر واقعاً حتى سقاها مبدأ “الجوسكا” وأشرق عليها ضوء الكتابة البرتقالي.

براعم التحول:

لا أذكر أي ليلة كانت تحديداً حين برز أمامي ذاك المنشور الفيسبوكي حول تعبيرات أجنبية من كلمة واحدة إلا أنها تترجم  لمشاعر كاملة وكان من ضمنها “الجوسكا” ؛كلمة فنلندية تشير إلى تلك الحالة عندما يبدأ العقل بنسج ألاف القصص والمحادثات الخيالية.

عندها هنأت نفسي مازحة لحصولي على اسمٍ روحي جوار الآخر المادي، واقتصر أثر “الجوسكا” على حياتي في تزيين أغلفة معظم الحسابات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي.

تفتح روح:

التقطت يوماً منصة كتابة برتقالية شهيرة تسمى “Wattpad” اجتحتها في البداية كقارئة كتب إلكترونية نهمة ثم سرعان ما راودتني أزرار نشر قصة خاصة بي عن نفسي بإلحاح، وعلى ضوء الشاشة الخافت حررت بعد سنة من المقاومة خيالي على صفحات الفصول تدريجياً كلماتٍ روائية سرعان ما اكتسبت صيتاً وزخماً على المنصة وجاوز عداد مشاهداتها الآلاف في قفزة لم أحلم أن أحلم بها من قبل!

وكأي كاتبة مخضرمة على الموقع كان لا بد لي من معرف مستخدم لائق بالإضافة لنبذة تعريف مختصرة عني، وقتها تذكرت بذرة إيماني الصغيرة:

حتى أصغر نقاط الضعف يمكن تحويلها لأعظم نقاط القوة

أسميتها جوسكا:

فلما أعدت البحث عنها داخل وجداني وجدتها أينعت زهرة في منتهى الجمال أسميتها على الفور “الجوسكا” ونثرت بتلاتها شعاراً لي على معظم المواقع:

هو ذلك الشعور عندما تسير في الشارع أو تخوض غمار حدثٍ روتيني ما فيبدأ عقلك بنسج آلاف القصص والمحادثات الخيالية، وهكذا أنا… أكتب لأحرر جيوش فكرٍ احتشدت بعقلي فحذار أن تحتلكم أيضاً

المد يستمر:

واليوم أشارككم قصة نجاحي الصغيرة لا إشادة بنفسي أو تفاخراً وإنما في محاولة لحوحة لغرس بذرة المبدأ ذاتها داخل عقل كل واحد منكم ما يثير فضولي بحلول السطر الأخير:

أي نبتة عظيمة قد تسفر عنها بذوركم إن آمنتم بها أيضاً وسمحتم لها  بالنمو.

أن تشارك يعني أنك تهتم ..

جوسكا || Jouska

أكتب لأحرر جيوش فكرٍ تحتشد بعقلي فحذار أن تحتلكم أيضاً!