الطريق إلى الديمقراطية: كيف شكل ثلاثة من أهم المفكرين النظام السياسي الذي نعرفه


أهم المفكرين
أهم المفكرين

لاشك بأن العصر الحالي هو عصر الحرية والانفتاح وعصر الديمقراطية والثورات العظيمة مثل الثورة الفرنسية والثورة الأمريكية كانت من أهم الأحداث ليس فقط في التاريخ السياسي بل في تاريخ البشرية كلها وخصوصا التاريخ المعاصر. إلا أن قارئ التاريخ لعله يلاحظ وبشكل واضح بأن الطريق إلى الديمقراطية لم يكن مفروش بالورود. فإن كانت أهم الحركات الثورية كان سلاحها الأول البندقية والبارود فلا يمكننا ابدا ان نتغافل عن الدور الفكري الذي قام به أهم المفكرين لإثراء تلك الثورات و لنصل الى هذا النحو من الديمقراطية وفصل السلطات. 

كثيرون هم أولئك المفكرين والفلاسفة الذين كان لهم دور بارز في تطور الفكر السياسي او ما يسمى بالفلسفة السياسية و وضع النظريات السياسية الناظمة للحياة وللعلاقة بين الحكام والمحكومين وتحديد واجبات وحقوق كل منهما على حد السواء. في هذه المقالة سنحاول التركيز على 3 منهم لاعتقادهم بانه كان لهم الدور الأبرز، لا لأنهم الوحيدين الذين أثروا على النظام السياسي كما نعرفه اليوم.

1- جان جاك روسو ( 1712- 1778).

“كل قانون لم يقره الشعب بنفسه هو باطل ولاغي — وهو، في الواقع، ليس بقانون”.

بهذه الكلمات التي كتبها جان جاك روسو الذي يعتبر من أهم المفكرين في كتابه العقد الاجتماعي الذي يعتبر كتابا تقدميا، الذي ساعد في الإصلاحات السياسية والثورات في أوروبا خصوصا الثورة الفرنسية. في الكتاب جادل جان جاك روسو إن الملوك ليس لهم سلطة مقدسة في التشريع والحكم وأن الشعب فقط من له كل الحق في السلطة. إن السلطة الممنوحة للشعب لا تكون بشكل عشوائي أو فوضوي بل عن طريق اتفاق الأفراد على أن يخضعوا رأيهم وحقوقهم وسلطاتهم لحاجات ورأي مجتمعهم ككل وهذا ما عرف بالعقد الاجتماعي. وكل شخص يدخل ضمنا في هذا العقد يعني قبوله حماية القوانين العامة. والسلطة العليا في أي دولة لا تستقر في أي حاكم-فرداً كان أو جماعة-بل في “الإرادة العامة” للمجتمع.

ولكن ما هذه “الإرادة العامة”؟ أهي إرادة جميع المواطنين؛ أم إرادة الأغلبية فقط؟ ومن الذين يعتبرون مواطنين؟ والجواب: إنها ليست إرادة الجميع، لأنها قد تناقض كثيراً من الإرادات الفردية. ولا هي دائماً إرادة الأغلبية الذين يعيشون (أو يصوتون) في لحظة بعينها، بل هي إرادة المجتمع باعتباره صاحب حياة وواقع مضافين إلى حيوات وإرادات الأعضاء الأفراد. وروسو، كمفكر واقعي من العصر الوسيط، ينسب للجماعة مجتمعة، أو للفكرة العامة، واقعاً بالإضافة إلى واقع أعضائها الأفراد. فالإرادة العامة أو “روح الجماعة” يجب أن تكون الصوت المعبر لا عن المواطنين الأحياء فحسب، بل الأموات أو الذين لم يولدوا بعد، ومن ثم فالذي يعطيها طابعها ليس هو الإرادات الراهنة فحسب، بل تاريخ الجماعة الماضي وأهدافها المستقبلية. ومن له حق التصويت؟ كل مواطن. ومن المواطن؟ واضح أنه ليس كل بالغ ذكر. وروسو غامض جداً في هذه النقطة.

يعتمد العقد الاجتماعي على وجود اتفاق أو عقد (صريحًا كان أو ضمنيًا) بين الشعوب وحكامها. إذ يتخلى الشعب عن جزء من حريته وأملاكه في مقابل الحماية التي يوفرها الحاكم، والذي يعمل على تشريع وفرض القوانين التي تحكم بما تقتضي المصلحة العامة. أي حاكم يحصل على سلطته بالقوة، سواء عن طريق غزو البلاد أو الحروب، فهي سلطة مشكوك في شرعيتها. ولا يمكن لهذا العقد أن يستند إلى أي سلطة طبيعية، كسلطة الأب في الأسرة مثلًا. إن العقد بهذا المعنى لا يلزم فقط الأمير والشعب باتباع القوانين المتواطئ عليها ولكن يلزم أيضا وبشكل حصري الحاكم بإيثار ودمج حقوقه وميوله ومحاولة صهرها أو مماتلثها مع ما ترتضيه الجماعة، إذن فالجماعة هنا تمارس نوعا من الإكراه الغير معلن تجاه حرية الأمير المحدودة بحدود وجود وحقوق الجماعة1)جون جاك روسو وشروط تشكيل العقد الاجتماعي.

أما الحكومة برأي جان جاك روسو فهي جهاز تنفيذي تفوض فيه الإرادة العامة مؤقتاً بعض سلطاتها وأن المؤتمنين على السلطة ليسوا أسياد الشعب وإنما هم مأموروه، وأنه يمكن للشعب أن ينصّبهم في وظائفهم وأن يعزلهم عنها متى طاب له الأمر أي متى تبث أنهم لا يقومون بواجباتهم كمواطنين، وله أن يفصلهم متى شاء كذلك لأن تلك المناصب ليست إلا صورة مؤقتة تمنحها الإرادة العامة لهؤلاء الأفراد. والدولة تكون جمهورية إذا حكمتها القوانين لا المراسيم الأوتوقراطية، وبهذا المعنى يمكن حتى اعتبار الملكية جمهورية .أما إذا كانت الملكية مستبدة -أي إذا كان الملك يضع القوانين وينفذها- فليست هناك جمهورية أو دولة، بل طاغية يحكم عبيداً. ومن ثم رفض روسو الانضمام إلى أولئك الفلاسفة الذين امتدحوا الاستبداد الحميد باعتبار إن الشعوب التي تعيش في أجواء قطبية أو مدارية قد تحتاج إلى الحكم المطلق حفاظاً على الحياة والنظام. كذلك، يرفض روسو أي سلطة قائمة على صفة أو أساس ديني...2)نحو استكشاف العقد الاجتماعي لجان جاك روسو 

لا يرى روسو في هذا الإطار في المجتمع إلا أناساً أحراراً متساوين فإذا افتقد أحد هـذه الصفات (الحرية والمساواة) التي تعتمد كل منها على الأخرى، يكون قد فقد صفته كمجتمع، التـي بفقـدها تنتفي الإرادة العامة انتفاءاً  مطلقاً. أما السيادة في رأي روسو، ان السلطة التي أوجدها العقد الاجتماعي  في الحقيقة هي الشعب، إذن الشعب وحـده هو صاحب السيادة. فالعقد الاجتماعي لا يمكن أن يكون ميثاق خضوع، كما عند لـوك أو عقـد اشـترط لخضوع لمصلحة الغير، كما عند هوبز، فنواب الشعب ليسوا ممثليه، فهـم ليسوا إلا مندوبيـه وهـم لا يستطيعوا إبرام أي شيء بشكل نهائي، فكل قانون لم يصادق عليه الشعب شخصياً هـو باطـل وهو ليس بقانون. إن إعتبار الحاكم السلطة كمفهوم ثيوقراطي كحق وتفويض إلهي هو ما يبرر له أحقية الاستئثار والانفراد بالحكم المطلق والتحايل على القانون أو تحويره في الخفاء بما يتناسب وميولاته ضد مصالح إرادة الشعب ، وفي ذلك مفسدة مطلقة.

وهذا يحيلنا إلى القول بأن السلطة كحق لدى الحاكم ليست طبيعية ولا فردانية، ولكنها حق مكتسب وجماعي يقدمه الأفراد على شكل هبة أو تنازل لشخص الحاكم. إن بيع حرية الفرد للآخر بدون تعويض هو هدر لكينونة وماهية الفرد وتناقض مع أخلاقه ووظائفه كفرد حر له مطلق الاختيار.

ومن مما سبق نرى كيف أن جان جاك روسو قد حول السلطة من يد حاكم بشكل مطلق إلى أن يكون مصدرها هو الشعب وكما ذكرنا في بداية النص ” كل قانون لم يقره الشعب بنفسه هو باطل ولاغي — وهو، في الواقع، ليس بقانون”. لذا تعتبر آراء جان جاك روسو مهمة للغاية فقد أكد أن السلطة يجب ان تكون مستمدة من الشعب وقد كانت لارائه أهمية كبرى خلال الثورة الفرنسية. 

2- مونتسكيو ( 1689-1755 )

يُعد مونتسكيو واحدا من أكبر دعاة الحرية والتسامح والاعتدال والحكومة الدستورية في بلده ومن أهم المفكرين في وقته، وكان من أشد أعداء الحكم الاستبدادي، ونادى بفصل السلطات. كان مونتسكيو شاهداً حيّاً على عصرٍ حافل بالانقلابات السياسية والاجتماعية، وقد كانت رغبته في حماية المجالس التمثيلية وهيئات النبالة وامتيازاتها تقف خلف إسهامه الأصيل في الفكر السياسيّ الحديث. و هو لم يعمد في الواقع إلى إيجاد نظرية حقوقية في الفصل بين السلطات، كما يشير توشار، بل هدف إلى تقديم تصور سوسيو سياسي لتوازن القوى، وهو توازن يرمي إلى تكريس مكانة قوّة بين القوى الأخرى، ألا وهي قوّة الأرستقراطية. وقد غدا هذا التصوّر ضرباً من العقيدة السياسية على يد خلفائه فيما بعد، وتمّ تبنّيه في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي (1789م) وغيره من اللوائح الأساسية كـالدستور الأمريكي، وهنا تكمن أهمّية إسهامه في النظرية السياسية3)مونتسكيو الأرستقراطي الذي حطم قيد الحكم الفرد

قسّم مونتسكيو أنظمة الحكم إلى جمهورية، وملكية، و استبدادية. ورأى أنّ الحكومة الجمهورية، هي التي تكون السيادة فيها للشعب. في حين أنّ الملكية هي التي يحكم فيها فرد واحد، ولكن بقوانين ثابتة. بينما يحكم في الاستبدادية، فرد مستبدّ بلا قانون ولا نظام أو مبدأ، يحرّك الجميع وفق إرادته وأهوائه ويسيّرهم. وبرأيه، إذا كانت السلطة ذات السيادة في قبضة الشعب سمّي هذا ديموقراطية.

على غرار معاصريه صوّر مونتسكيو الاستبداد في كتابه “روح الشرائع” بذعر شديد، ونظر إليه على أنه نوع من الأنظمة الاستبدادية التي نشأت أصلاً بين الشرقيين والمسلمين، وبات يهدّد الآن أوربّا من الداخل ويسحق، بلا رحمة، الجماعات والطبقات الوسطى في المجتمع ويرغم أعضاء الدولة على أن يظلّوا مجزّئين وجهلة وجبناء روحياً.

أنّ النظام الاستبدادي، برأي مونتسكيو، لا يقيم حساباً لأية فضيلة سياسية، إذ ليس لها أيّ دور تقوم به. ويرى أنّ الشرف يغدو خطراً في هذا النظام، الذي يتأسّس أصلاً على الخوف.

لاحظ مونتسكيو أنّ من يملك السلطة على هذا النحو يميل دائماً إلى إساءة استعمالها، ويستنتج أنّ الحلّ الوحيد للحؤول دون ذلك، هو مواجهة السلطة بواسطة السلطة ذاتها. وبناءً عليه رفض تركيز السلطة وإنما قال بضرورة توزيعها في مراكز مختلفة بحيث لا تحتكر جهة واحدة السلطة كلها ووظائفها، وبهذا وحده تكون الحرّية. يقول مونتسكيو:” يوجد في كلّ دولة ثلاثة أنواع للسلطات، فلا تكون الحرّية مطلقاً إذا ما اجتمعت السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية في شخص واحد أو في هيئة حاكمة واحدة، وذلك لأنه خشي أن يضع الملك نفسه، أو المشرعون أنفسهم، قوانين جائرة لتنفيذها تنفيذاً جائراً.

وكذلك لا تكون الحرّية إذا لم تفصل سلطة القضاء عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية،.. فكلّ شيء يضيع إذا مارس الرجل نفسه أو هيئة الأعيان أو الأشراف أو الشعب هذه السلطات الثلاث: سلطة وضع القوانين، وسلطة تنفيذ الأوامر العامة، وسلطة القضاء في الجرائم أو في خصومات الأفراد… إن الأمراء الذين أرادوا أن يكونوا مستبدّين بدؤوا بتركيز جميع هذه السلطات في شخصهم دائماً.”

يتيح الانفصال بين السلطات والتوازن فيما بينها ظهور حكومة معتدلة ومجتمع مدني موازٍ، وبهذا يمكن ضمان الحرّية السياسية، التي لا يمكن أن توجد، برأي مونتسكيو، في غير الحكومة المعتدلة. لكن الحرّية لا تكون في الدولة المعتدلة ذاتها بصورة دائمة، إلا بشرط عدم إساءة استخدام السلطة، وهذه الأخيرة لا يمكن الحدّ منها إلا بتقسيم السلطة. وهكذا، فالحرّية السياسية هي في المحصلة ناجمة عن تقسيم السلطة، وبذلك تنشأ السلطات المختلفة داخل الدولة بشكل تحدّ الواحدة منها الأخرى وبحيث لا تستطيع أية واحدة منها أن تنفرد أو تقوم بشيء على حدة..

نخلص، في ضوء ما سبق، إلى القول إنّ إسهام مونتسكيو الأصيل في النظرية السياسية يقوم على تصوّر مقيّد للسلطة. لقد ارتبط مبدأ الفصل بين السلطات باسم الفيلسوف الفرنسي (مونتسكيو) الذي شرحه وأبرز خصائصه في مؤلفه الشهير “روح القوانين” .حيث يعود له الفضل في نقل المبدأ من مجرد تقسيم وظيفي إلى فصل بين السلطات أو الهيئات التي تتولى تلك الوظائف. والمبدأ حسب هذا الفيلسوف يعني عدم جمع سلطات الدولة في يد فرد واحد أو هيئة واحدة ، وفي ذلك يقول : ( إنها تجربة خالدة أن كل إنسان يتولى السلطة ينزع إلى إساءة استعمالها حتى يجد حدا يقف عنده. إن الفضيلة ذاتها تحتاج إلى حدود ، ولكي لا يٌساء استعمال السلطة يجب أن توقف السلطة سلطة أخرى) ..

ومبدأ الفصل بين السلطات حسب “مونتسكيو” هو قبل كل شيء تقنية دستورية غايتها منع الاستبداد ، وصيانة الحرية ، فإذا جمع شخص واحد أو هيئة واحدة السلطتين التشريعية والتنفيذية انعدمت الحرية، وكذلك الشأن إذا اجتمعت السلطات الثلاث في يد واحدة ولو كانت يد الشعب ذاته ،لذلك يجب أن تتوقف كل سلطة عند حدها بواسطة غيرها ،بحيث لا تستطيع أي سلطة أن تسيء استعمال سلطتها أو تستبد بها.

فالحرية إذا مرتبطة ارتباطا وثيقا بتقسيم السلطة، ولا وجود لهذه الحرية عند دمج السلطات لحساب إحداها أو لحساب شخص أو جماعة. كما أن تنظيم هذه السلطات وتقسيمها ينبغي أن يكون بطريقة لا تسمح لأي منها أن تتحرك لوحدها ، بمعنى أن ترتبط هذه السلطات ببعضها وأن يكون بينها قدر من التعاون والتأثير المتبادل .لأجل ذلك يرى مونتسكيو ضرورة أن يوجد في كل دولة ثلاث أنواع من السلطات: 

  • السلطة التشريعية ، والتي تتولى صياغة القوانين لمدة محددة ، أو بصفة دائمة ، وتعدل وتلغى القوانين النافذة.
  • السلطة التنفيذية ، التي تقر السلام أو تعلن الحرب ، وترسل وتستقبل السفراء وتوطد الأمن .
  • السلطة القضائية ، والتي تعاقب على ارتكاب الجرائم وتفصل في منازعات الأفراد .

لم يتوقف مونتسكيو عند حد الفصل بين السلطات العامة في الدولة، وإنما يستلزم قيام كل سلطة بمراقبة كل السلطات الأخرى لوقفها عند الحدود المقررة لها إذا اقتضى الأمر حتى لا تتجاوزها على الاعتداء على السلطات الأخرى.

كما أن القانون المذكور تبنى مبدأ الفصل بين السلطات، وهذا المبدأ الذي كثر فيه الشقاق واختلفت بل تنافرت فيه وجهات النظر، فأول ما نادى به اعتبر مونتسكيو الاستبداد نتيجة لتركيز السلطة في يد واحدة.

يحقق مبدأ الفصل بين السلطات العديد من المزايا وأهمها :

1- حماية الحرية ومنع الاستبداد

2- إتقان وحسن وظائف الدولة

3- ضمان احترام مبدأ سيادة القانون

وأخيراً من المزايا الهامة لمبدأ الفصل بين السلطات الثلاث أنه يؤدي الى ضمان احترام مبدأ سيادة القانون في الدولة بحيث نضمن خضوع السلطات الحاكمة للدستور والقانون وليس فقط للأفراد. لأنه إذا اجتمعت وتركزت السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية في هيئة واحدة فلا ضمان لاحترام القانون و لأن هذه الهيئة ستقوم بوضع القوانين وتعديلها بناءاً على الحالات الفردية.

لذلك فإن الفصل بين السلطات وما يصاحبه من رقابة متبادلة بينهما و يؤدي الى ضمان احترام كل سلطة لحدودها الدستورية واحترامها لقواعد القانون و بالإضافة الى أن الفصل بين السلطات يجعل السلطة القضائية رقيبة على السلطتين الأخريين ويضمن بوجه خاص خضوع قرارات السلطة التنفيذية لرقابة القضاء وإلغائها عند مخالفتها للقانون.

كان لأفكار ”مونتسكيو ” أثرها الواضح على رجال الثورة في فرنسا وأمريكا لدى فهو يعتبر من أهم المفكرين، فذهبوا إلى أن فصل السلطات هو شرط الحكومة الدستورية الحرة، وأعلنت الثورة الفرنسية ذلك صراحة في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الصادر في 26 أغسطس / آب عام 1789 ، فنصت المادة السادسة عشر منه على أن : ” أي مجتمع لا تكون فيه الحقوق مكفولة ، أو فصل السلطات محدداً ، هو مجتمع ليس له دستور على الإطلاق.

3- جون ستيوارت ميل ( 1806- 1873).

أن مفهومي الحرية السياسية و الاستقلالية الفردية يرتبطان ارتباط وثيق باسم أهم المفكرين جون ستيوارت ميل. بحيث لا تذكر الليبرالية الا و يذكر اسمه معها. وعلى الرغم من أن الحرية مصطلح استخدم منذ أزمنة بعيدة إلا أن يمل هو الذي طور مفهوم الحرية من المعنى المحدود والمباشر من التحرر من العبودية الجسدية إلى المفهوم المتداول وهو الحرية السياسية و الاجتماعية4)عن الحرية لجون ستيوارت ميل.

كان دي توكڨيل أول من نبّه إلى مشكلة طغيان الأغلبية، وذلك في كتابه “الديمقراطية في أمريكا”، وهي التي تميل إلى فرض رأيها على الأقلية ومن ثم على الفرد فتشكل تهديداً خطيراً للحرية. إن الأغلبية التي يحذر منها كل من دي توكڨيل وميل ليست بالضرورة أغلبية عددية، بل إنها في الغالب المجموعة الأكثر إيجابية في المجتمع أو الأكثر نفوذاً فيه، وطغيانها، بنظرهما، أشد وطأة على الأفراد والأقليات من طغيان الحاكم على الأفراد؛ فعندما يصبح المجتمع بمثابة الطاغية الذي يقيد حرية أفراده ويتحكم في قراراتهم السياسية والشخصية، فإنه يملك وسائل تمكنه من التغلغل في حياة الناس الخاصة بحيث لا يترك لهم مجالاً للإفلات.

ينادي ستيوارت ميل بديمقراطيّة قويّة تُشكّل ثقلاً مضادّاً لدولة مُفرِطة التمددّ والتدخّل. وحدها الديمقراطية قادرة على مقاومة البيروقراطيّة. أفكار ستيوارت ميل في هذا المجال مشابهة لما سيقوله ماكس فيبر  أوائل القرن التالي.

حسب ميل، واتفاقاً مع الرأي الليبرالي السائد، لا مكان اليوم لنظريّة المدينة اليونانيّة القديمة، حيث أن مفاهيم الحُكم الذاتي، أو حُكم المجالس المفتوحة، غير قابلة للتطبيق في مجتمع يتجاوز حجمه مدينةً صغيرة. في أحجامٍ أكبر من المراكز السكانيّة الصغيرة، لا يمكن للأفراد أن يشاركوا إلا في جزء صغير من الشؤون العامة، هذا عدا الصعوبات الجغرافيّة والمادّية أمام مقدرة كلّ السكان على الاجتماع في مكان مشترك وزمان واحد. هذه صعوبات كبيرة أمام المجتمعات الصغيرة، وفي المجتمعات الأكبر تغدو هذه الصعوبات مستحيلات. لذا يستحيل تطبيق النظريات اليونانية القديمة خصوصا مع تزايد أعداد السكان في المدن الحديثة.

يرى ميل أن قوننة وتسيير الشؤون العامة في مجتمع ذي كثافة سكانية عالية أعقد بكثير من مقدرات أي نظام ديمقراطي مُباشر. عدا ذلك، يُشير إلى خطر ذوبان طاقات الأشخاص ذوي الكفاءة والمعرفة والخبرة ضمن بحر الأشخاص العاديين في حالةِ حُكم الجميع بالتساوي. بالإمكان، حسب ميل، التصدّي لهذه المخاطر تدريجياً عن طريق اكتساب الخبرة في الشؤون العامّة (الاقتراع، الثقافة القانونية، المشاركة الواسعة في الإدارة المحلّية…)، لكن هذا ليس إلا حلّاً جزئياً للمشكلة الكبيرة. لذلك، يعتبر ميل أنّ الأسلوب الأمثل للحُكم في ظروف الحداثة هو التمثيلي، حيث يمارس الشعب السلطة عن طريق الانتخاب الدَّوري لنوّابه.

إلى جانب حرّيّة التعبير والصحافة والاجتماع، لنظام الحُكم التمثيلي إيجابيّات أخرى واضحة، فهو يوفّر الآليات التي تضع السلُطات المركزية تحت السيطرة والرقابة، ويرسّخ برلماناً يعمل كحارس للحرّيات كمركز للعقلانية والسجال، ويعمل، عبر المنافسة الانتخابيّة، على تنمية مهارات الريادة والمعرفة لدى عموم الشعب. يؤكّد ميل أنه لا يوجد بديل للنظام التمثيلي يمكن أن يُرغب به، رغم وعيه لبعض نواقصه، والأثمان الغالية لبعض أُسُسِه.

رغم الخطاب الواضح الانحياز لصالح نظام الحُكم التمثيلي، يمكن ملاحظة أن ثقة ستيوارت ميل بالناخبين والمنتخِبين منخفضة للغاية. دافَعَ ميل بوضوحٍ عن ضرورة إقرار الاقتراع العام لجميع المواطنين، لكنه اقترح نظاماً انتخابياً معقّداً للغاية، يبغي عبره منع احتمال سيطرة الجموع –لا سيما الطبقة العاملة– على النظام العام بـ«جهلها».

طالما هناك مستويات علم وكفاءة الأفراد متنوّعة، ولا سيما أن أقلّية منهم قادرة على تحقيق مستويات متقدّمة من الكفاءة، أليس من المشروع الاعتقاد بوجوب أن يكون لبعض الأشخاص تأثير أكبر على الحُكم من غيرهم؟ للأسف –ونقول «للأسف» باعتبارها برأينا نقطة سلبية في فكره– اعتنق ميل هذه الفكرة ورافع عنها. لا شكّ أنه كان مُدافعاً صلباً عن حقّ الاقتراع العام لجميع البالغين، لكنّ ميل رأى أيضاً أن قيمة صوت ذوي المعرفة والثقافة يجب أن تكون أعلى من قيمة صوت العوامّ. لذلك، اتّخذ ميل من الهرم المهني وسيلة لتوضيح قيمة الأصوات: أولئك الذين يمتلكون معرفةً واطلاعاً أكبر (وهم، يا للمصادفة، ذوو الدخل الاقتصادي الأعلى، وذوو الامتيازات الاجتماعيّة) لا يجب أن يخسروا الانتخابات أمام أصحاب الكفاءات الفكرية والعلمية المتواضعة، أي، بعبارة أوضح، الطبقة العاملة.

البرلمان مكلّف بتعيين الأفراد المناسبين في المناصب التنفيذية، وعليه أن يتصرّف كمجلس تُناقش فيه المتطلّبات والحاجات، وله أن يقول الكلمة الأخيرة بخصوص إقرار التشريعات أو رفضها، لكن على البرلمان ألا يتدخّل في تفاصيل صياغة التشريع وإدارتها، لأن هذه الشؤون لا تدخل ضمن صلاحياته.

من وجهة نظر ميل، يمزج نظام الحُكم التمثيلي بين المسؤوليّة والحِرفيّة والخبرة: بإمكان الحُكم التمثيلي أن يتمتّع بإيجابيات الحُكم البيروقراطي، لكن دون مساوئ الأخير وسلبياته، التي تُمسَح بفضل الحيويّة التي توفّرها الديمقراطيّة لنظام الحكم. حُكم الخبراء والديمقراطيّة متساويان في الأهمية بالنسبة لميل، ودافع بقوّة عن ضرورة كلّ منهما لحسن سير الآخر.

وهكذا يعتبر كل واحد من أهم المفكرين السياسيين وأب الليبرالية السياسية التي تعتبر من أهم التيارات الفكرية السياسية إن لم تكن الأهم على الإطلاق.

إن كانت لديك قصة تريد أن تشاركها مع العالم، فأرسلها عبر الايمايل التالي story@librabuzz.com
شارك مع أصدقائك

المراجع   [ + ]


ابراهيم نبيل بامطرف
ابراهيم نبيل كاتب يمني ، احاول ان اكتب شيئاً يستحق القراءة.