السوريون ملَّوا الحرب.. الحسكة تناجيهم عطْشى


الحسكة
الحسكة

السوريون ملَّوا الحرب.. الحسكة تناجيهم عطْشى

كما بوبت الحرب السورية أبناء المجتمع السوري، مابين، موالاة، ومعارضة، إلى راديكالين، وديمقراطيين، كذلك حال المدن السورية؛ التي أصبح لها عناوين عريضة، مكثفة، ترمز إلى جراحات عميقة خلفتها سنون الحرب، وما أفرزته من مآسٍ يصعب مداواتها بين ليلة وضحاها؛ فريف دمشق، بعد مجزرة الكيمياوي سنة 2013 أصبحت تحت مسمى مدينة الكيماوي، وكذلك الرقة، عندما تحولت بُعيد سيطرة عناصر تنظيم الدولة الإسلامية عليها، من درة الفرات.. إلى عاصمة الإرهاب في العالم.

اليوم، تأتي مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا، للتحول من مدينة الأنهار، والقمح، والقطن، إلى مدينة العطش. وذلك يعود إلى تحكم الجيش التركي بمحطة مياه علوك، وهي أهم محطة لضخ مياه الشرب في شمال شرقي سوريا، والواقعة في وقتنا الحالي، ضمن الأراضي السورية التي احتلتها تركيا العام الماضي.

الحسكة، هذا الأسم الذي يحمل في طياته الكثير من المنمنات السورية، إذ يعيش بها اثنيات، وقوميات، وأعراق مختلفة، وأنت تسير في شوارعها، سيتناهى إلى مسامعك لغات متعددة؛ عربية، كردية، سريانية آرامية، وأرمنية،
وقد يثير دهشتك أكثر عندما تسمع شذرات مجتمعة من هنا، وهناك من كل تلك اللغات، وبلسان واحد..!

وسترى في الحسكة، أزياء متنوعة، منها ماهو بدوي، ومنها ماهو حضري، وآخر جبلي؛ و كل زي من تلك الأزياء يعبر عن ثقافة موغلة بالعتق، تجذرت في هذه المنطقة من سوريا، وربما سيثير حفيظتك أكثر، وجود كنائس ومساجد في نفس الحي الواحد أحياناً.

ليس هذا فقط في الحسكة، ففي الصباح فطورك كرديٌ، وفي وجبة الغداء ستأكل طعاماً عربياً، وفي العشاء من المحتمل أن تأكل أكلة سريانية، و في مرات كثيرة قد يحتار أهالي الحسكة في أصول بعض الكلمات التي يتداولونها في حياتهم اليومية، وإلى أين مردها، وإن شاءت الأقدار لك أن تحضر عرساً شعبياً في أحد أحيائها سترى وستسمع الأعاجيب؛ فالكلمات عربية بموسيقا كردية، يرقص عليها شبان من السريان..!!

ولكن، لم يشفع لسكان الحسكة هذا الثراء الثقافي عند الجارة تركيا، بل اعتبرته مصدر اغاضة لها.
تركيا التي لم تأخذ بعين الاعتبار ارتفاع درجات حرارة شهر آب، الذي يصفه السوريون بأمثالهم لشدة حرارة الجو فيه بأنه شهر اللهب (آب اللهاب).. و لقد ضربت تركيا عرض الحائط، بقيم الجوار، ومبادئ الشرف في الحروب التي يجمع عليها الأعداء قبل الأصدقاء، .لا.بل ولم تأبه حتى بالأشخاص المصابين بفايروس كورونا من أبناء هذه المنطقة، وحاجتهم الماسة جداً للماء.خاصة في هذه الظروف العصيبة.

حرب المياه، فصلٌ جديدٌ من فصول الأزمة السورية، تستخدمها تركيا ضد السوريين كنوع من الحرب الخاصة، متعددة الوجوه، والأهداف، كوسيلة ضغط على الإدارة الذاتية لشمال وشرقي سوريا، والتي تشكلت بداية عام 2013 بعد اشتعال فتيل الحرب السورية، وكانت وحدات حماية الشعب الكردية، جناحها العسكري.

ولم يرغب الكرد وهم يشكلون (ثاني أكبر قومية في سوريا) وقتها الاصطفاف ضد أو مع أي طرف من أطراف الصراع السوري، فلقد فضلوا تجنيب مناطقهم ويلات الحرب، والاهتمام بتنظيم المؤسسات والإدارات.
وفي ظل حروب الفصائل والميليشيات التي فتحت المجال على مصراعيه لدخول أنظمة اقليمية ودولية في متوالية الصراع السوري السوري، والتي استغلت أساساً الحراك الشعبي السوري منذ بداية الأمر، و الذي كان يرغب بألَّا يطول أمده، وأن يفضي إلى العيش بكرامة.

ويفتخر الشارع الكردي السوري اليوم، بأن أبناءه لم يوجهوا بندقيتهم في هذه الحرب، ضد أي سوري، لا بل انهم سامحوا حتى أولئك الذين احتلوا مدنهم وبلداتهم كما فعل عناصر تنظيم الدولة الإسلامية، حتى بعد أن هزموهم لمرات عدة بدءاً من كوباني عام 2014 وصولاً إلى الباغوز شرقي سوريا عام 2019 مروراً بالرقة عام عام 2017؛ المدينة التي عدها التنظيم ركيزة أساسية له.

وبعد أن أصبحت الإدارة الذاتية لشمال وشرقي سوريا ذات وزن سياسي، وثقل عسكري، ويتشارك فيها الكثير من أبناء شرائح مجتمعية سورية، مختلفة اللغات، والقوميات والأديان، والثقافات، خاصة بعد تشكل قوات سوريا الديمقراطية آواخر 2014م بغية طرد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية من المناطق السورية التي كانوا يسيطرون عليها.

لقد ظلت الحسكة طوال فترة سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على جزء كبير من منطقة شمال وشرقي سوريا متنفساً لسكان الرقة، ومنبج، وغيرها من البلدات الأخرى الواقعة تحت قبضة التنظيم، واستقبل أهالي الحسكة والذين يعرفون بالكرم، الآلاف من أبناء المدن السورية الذين كانوا يتجنبون الوقوع ببراثن الحرب، وتداعياتها، وغيرهم من الذين هُجروا قسراً من مناطقهم نتيجة احتلالها من قبل تركيا .. العام الماضي.

ومن الملفت للإنتباه بعد قيام تركيا بقطع المياه عن الحسكة، حالة التضامن الكبيرة من السوريين ومن كافة الشرائح والإنتماءات، ومن غيرهم، من رواد مواقع التواصل الاجتماعي، والذين عبروا عن تضامنهم من خلال اطلاق العديد من الهاشتاغات كما هاشتاج #العطش يخنق الحسكة، #مليون انسان بالحسكة بلا ماء #الحسكة_عطشى.
وكذلك تصدر خبر انقطاع المياه عن الحسكة أخبار الصحف والمواقع والشاشات العربية.

وابدى العديد من الفنانين السوريين و من ذوي الحضور في الوسط الفني السوري والعربي عامةً تضامنهم مع أهالي الحسكة من خلال صفحاتهم الشخصية، عبر تصريحات صحفية و هاشتاغات، ومنهم الفنان عابد فهد، الفنان قصي خولي، والفنان مكسيم خليل، والفنانة، أمل عرفة، والفنانة تولاي هارون، وتداولت صفحات ومواقع لنشطاء أغنية للفنان اللبناني ربيع بارود متضامناً فيها مع أطفال الحسكة بعنوان “ياريتني مي.. ياريتني نبع أو بير واروي أطفال الحسكة”.

ويقرأ اعلاميون سوريون من أبناء شمال و شرقي سوريا هذا التضامن غير المعهود (حسب وصفهم في صفحاتهم الشخصية) بعد قيام تركيا بقطع المياه عنهم؛ بأنه غريب، وربما (حسب تفسيرهم) أنه يوحي بأن شيئاً غير مريح قادم سيحدث للسكان في الحسكة عقب قطع المياه عنها، وبالفعل، هذه ليست المرة الأولى التي تقوم تركيا بقطع المياه عن الحسكة منذ احتلالها لمدينة رأس العين على الحدود السورية التركية، وخاصة أن العديد من الفنانين الذين أبدوا تعاطفهم هذه المرة، كان لهم مواقف ضبابية وغير واضحة، أو انها اتسمت بأنها تصطتف باتجاه طرف سوري ضد آخر.

وحسبما نشرت وكالة North bress Agensy اليوم في تقرير لها نقلاً عن مسؤولين في الإدارة الذاتية لشمال وشرقي سوريا عبروا فيه عن تخوفهم من قيام تركيا بقطع المياه مرة أخرى وذلك يعود “بسبب تحكم مسؤولين أتراك بالمحطة”

وورد في التقرير أن الجيش التركي قام بضخ المياه في محطة علوك اليوم، ولكن بنسبة قليلة جداً لا يمكن لخطوط المياه الرئيسية، أن توصل المياه لأهالي الحسكة، وإن وصلت تحتاج لفترة طويلة بسبب قلتها.

وجاء قيام تركيا بفتح مياه الشرب بعد اجتماع مابين وفد من الخارجية الأميركية ووفد من الإدارة الذاتية لشمالي وشرقي سوريا في مدينة الحسكة، بحسب وكالة نورث بريس North bress Agensy.

نستشف من حالة التضامن من السوريين مع مواطنيهم من سكان الحسكة، وماحل بهم خلال اسبوعين من قطع المياه عنهم؛ أن المجتمع السوري متقاربٌ جداً من بعضه، ولايمكن لأي فئة منه أن تسقط من حساباتها الفئات الأخرى، وإن أفسدت الحرب، ولغة السلاح، بعض جوانب العلاقات التاريخية بين أبناء الوطن الواحد.. لكن بوادر أمل بانتهاء الحرب السورية، وبعودة السوريين إلى بعضهم البعض، ظهرت من أقصى شمال شرقي سوريا، وهي ليست بالبعيدة… فهي باتت تظهر، وتفصح عنها الأزمات، كأزمه مياه الشرب في الحسكة.

 

 

إن كانت لديك قصة تريد أن تشاركها مع العالم، فأرسلها عبر الايمايل التالي story@librabuzz.com
شارك مع أصدقائك

مصطفى الخليل

كاتب وصحافي سوري مهتم بالقضايا المجتمعية