عصر النهضة : كيف غير القرن الخامس عشر شكل الحياة التي نعرفها ؟


عصر النهضة
عصر النهضة

مقدمة عصر النهضة :

عند دراستنا لتاريخ أوروبا خصوصاً، ولتاريخ العالم عموماً، سنرى بوضوح أهمية عصر النهضة (الذي يعتبر بعض المؤرخين بدايته في القرن الرابع عشر).
ولا تكمن أهمية عصر النهضة فقط؛ كونه أخرج أوروبا من الجهل والظلام، الى المعرفة والتقدم الحضاري، ولكن آثار عصر النهضة لا زالت واضحة حتى الآن.
فالكثير من الاختراعات، والاطروحات، التي وُجدت في عصر النهضة واستخدمت، لازالت مستخدمة حتى الآن، وإن حدث لها بعض التطوير.

وعند دراستنا بشكل أدق عن عصر النهضة سنرى بوضوح الأهمية الكبيرة للقرن الخامس عشر على وجهه الخصوص. إذ تكمن أهمية ذلك العصر كونه يمثل الجسر الرابط بين العصور الوسطى، وما تميزت بها من جهل وتخلف، وبين عصور التقدم خصوصاً في الفترة التي تلي القرن الخامس عشر، واحده من أهم الأحداث التي تبين أهمية القرن الخامس عشر، أن نتذكر، أن الكشوفات الجغرافية التي أدت الى اكتشاف العالم الجديد، وما به، من ثروات قد حدثت في القرن الخامس عشر. ولا ننسى كذلك أن التطورات، والتغيرات قد بدأت، ولو بشكل قليل، في القرون الوسطى، إلا أنها زادت واتسعت في القرن الخامس عشر، وواحد من أهم أسباب حدوث ذلك، هو بداية الاستعمار الغربي، واغتنام الثروات الجديدة، واكتشاف طرق تجارة جديدة.

وجدير بالذكر هنا، هو وإن كنا نتحدث عن أن الفترة التي سبقت القرن الخامس عشر كانت مرحله جهل وتخلف، فإنما نقصد أوروبا بشكل أخص؛ فالعديد من الدول والحضارات كانت في مرحله قوة، كالحضارة الإسلامية، التي كانت تمتد من خراسان الى الاندلس.

في السطور المقبلة سنحاول تسليط الضوء على القرن الخامس عشر من ثلاثة جوانب مهمة:

  • الجانب السياسي
  • الجانب الاقتصادي
  • الجانب الثقافي.

ونستخلص من ذلك الى أهمية القرن الخامس عشر بالنظر الى تاريخ العالم.

الجانب السياسي:

أوروبا في القرن الخامس عشر لم تكن حالتها جيدة للغاية، فبعد انتهاء حرب المائة عام بين فرنسا وبريطانيا، كانت أوروبا منهكة للغاية، فقد خلفت الحرب العديد من الضحايا مع أوضاع اقتصادية سيئة بسبب الحرب، وانشغال العديد من المدن بتجهيزات الحرب والتحصينات الدفاعية. لذا ظهرت العديد من الثورات في نهايات القرن الرابع عشر منها: انتفاضات المدن الفلمنكية (1323–28)، وفي باريس (1357–58، 1380–82)، وفي مدينة روان الفرنسية (1382). ولا ننسى الدور الكبير الذي تسبب به التعسف الحكومي والضرائب في زيادة السخط الشعبي. 1)Economy, society, and culture in the 14th and 15th centuries. Encyclopædia Britannica.

الصراع بين البرجوازية والاقطاع: لو أردنا دراسة الوضع السياسي بشكل أكثر تفصيلاً في القرن الخامس عشر، يمكننا القول إن هناك صراعات بين البرجوازيين، وهم القوة القادمة وبين ومالكي وسائل الإنتاج، وبين الارستقراطيين – وهم علية القوم-. فقد تحالف البرجوازيون والتجار لدعم الملكية المطلقة ضد الارستقراطيين. وبطبيعة الحال، إن دعم البرجوازيين للملكية المطلقة من أجل مصالحهم الشخصية، وليس دعماً للملكية بالمطلق، فان تعارضت مصالحهم مع الملكية يتخلون عنها.2)Chris Harman,2017, A People’s History of the World
وفي صدد حديثنا حول الصراع المحتدم بين البرجوازيين من جهة، والارستقراطيين من جهة أخرى، فقد كان يعتقد الاقطاعيون بان أخطاء السلطة المركزية أدت لظهور قوى مختلفة في الامبراطوريات الأوروبية في القرون الوسطى، ففي القرنين الخامس عشر و السابع عشر ظهرت بشكل متنامي البرجوازية، ما أدى الى تغييرات في الهيكلة الاجتماعية. ولا ننسى كذلك بان التطور التكنولوجي للأسلحة كان له دور بارز في اسقاط الاقطاع.
الكشوفات الجغرافية: الكشوفات الجغرافية تعتبر واحدة من أهم الأحداث التي جرت في القرن الخامس عشر. و الكشوفات الجغرافية هي الرحلات البحرية التي قام بها الرحالة كولومبوس محاولاً الوصول الى أماكن الثروات في الصين. وفي بداية الأمر تم رفض فكرة كولومبوس من قبل الكنيسة و الجامعة في اسبانيا، قبل أن يجد دعماً من مصرفي، ومن ملكة اسبانيا. وقد كان لسقوط غرناطة بيد الاسبان عام 1492م رسالة بأن العالم قد يتغير بسبب رحلات كولومبوس، وهذا ما حدث بالضبط.

إن أهمية الكشوفات الجغرافية ليست فقط في كونها قد اوجدت طرق تجارة جديدة، ولا حتى كونها جعلت أوروبا أكثر ثراء فحسب؛ بل لأنها فتحت الطريق لأوروبا من أجل الاستعمار والهيمنة. ولم تتوقف الحملة الاستعمارية بالاستيلاء على كوبا وسان سلفادور بل واصلت طريقها باتجاه المناطق الجنوبية من الامريكيتين التي تسمى الان أمريكا اللاتينية. وإذا اردت معرفه المناطق التي وصل لها كولومبوس بإمكانك تذكر المناطق المتحدثة باللغة الاسبانية في قارتي أمريكا فحسب. بل الأمر تجاوز ذلك ليشمل دول كثيره في آسيا وافريقيا بعد ذلك. بل إن الإحتلال الأوروبي استمر الى قبل 50 عاماً تقريبا من الآن. وبطبيعة الحال لا يمكن لأحد ان ينكر التأثير الاقتصادي الكبير للكشوفات الجغرافية ليس على أوروبا فقط بل على العالم بالكامل إلا أننا سنتحدث على ذلك بالكثير من التفصيل في الجانب الاقتصادي. فما يهمنا هنا هو الإشارة الى بداية الاستعمار والهيمنة السياسية على مناطق واسعة من العالم، سواء أكان في العالم الجديد، او في بعض مناطق العالم القديم في آسيا وافريقيا. 3)Chris Harman,2017, A People’s History of the World

العالم الجديد بين الاحتلال والصراع:

إن الكشوفات الجغرافية لم تخلوا كذلك من المظاهر الدينية فقد حُمِلت الرموز الدينية للعالم الجديد، وقامت رحلات ومحاولات تبشيرية كذلك. إن سكان العالم الجديد، والذين كانوا في أغلب الأحيان متخلفين تكنولوجياً، ويعيشوا حياه بسيطة؛ عراة بشكل شبة كامل، إلا أن الغزو الاسباني كان غزواً عنيفاً، فقد عانى أهالي المناطق المكتشفة من التهجير القسري والاضطهاد والقتل. وقد نشب الخلاف بين الغزاة الجدد للعالم الجديد، فعلى الرغم أن كولومبوس هو مكتشف الأراضي الجديدة، وكان الحاكم لها في وقت من الأوقات، إلا انه تمت اقالته بسبب الخلافات. كما كان الخلاف واضحاً كذلك في طريقة التعامل مع السكان الأصليين لتلك المناطق، حيث فضل بعض الغزاة طريق العنف والقتل لبسط سيطرتهم.4)Chris Harman,2017, A People’s History of the World
أوروبا بين التصالح والتنافس: إن الكشوفات الجغرافية وما نتج عنها من ثروات ضخمة قد أشعل التنافس الاستعماري بين الدول الأوروبية خصوصاً، البرتغال، اسبانيا ، هولندا ، إنجلترا، وفرنسا. إلا أن التنافس الاستعماري كان محتدماً بين اسبانيا و البرتغال، و لقد وصل إلى ذروته في عام 1492م. مما اضطر البابا الى تقسيم العالم بينهما الى قسمين. فالقسم الشرقي الذي يشمل افريقيا وآسيا للبرتغال، والجزء الغربي الذي يشمل الامريكيتين للإسبان.

في جو مليء بالتنافس اتحد اللوردات في بعض الدول الأوروبية خلف ملك واحد . مثل ملك إنجلترا هنري السابع في الفترة بين 1485-1509 و ملك فرنسا فرانسيس الأول في الفترة بين 1515-1547. وبشكل عام، فقد اتسمت تلك الفترة في أوروبا بوجود العديد من الممالك المتنافسة بينها البين. (1)
على الرغم من هذا التنافس الدموي بين ممالك أوروبا على السلطة إلا أنها توحدت عبر عده طرق مهمه: أولاً كانت جميع الممالك تحت سلطه الكنيسة الكاثوليكية و التي كانت حتى القرن السادس عشر المؤسسة الدينية الوحيدة في كل أوروبا. ثانياً : ارتبط الأوروبيون أيضًا بشبكات التجارة المتنامية فقد ربطت الطرق التي تم إنشاؤها خلال الإمبراطورية الرومانية الممالك الأوروبية وساعدتها على نقل البضائع من مملكة إلى أخرى.5)Europe in the Fifteenth Century, Encyclopedia of fashion

ولو نظرنا إلى الوضع السياسي العام في أوروبا فسنرى أن هنالك برجوازية قادمة وبقوة وكذلك تقدم اقتصادي كبير بالاستفادة من الثروات المكتشفة في العالم الجديد، وكل هذه الأمور تحتاج الى دولة قوية وقانون يطبق على الجميع لحمايه المكتسبات الاقتصادية. وهذا ما جعل العديد من الافكار تظهر في هذا القرن، تلك الأفكار تهدف إلى ضمان الوحدة الوطنية، وإقامة دوله مركزية قويه، وتطبيق السيادة دون تسلط. ومحاولة الإجابة عن سؤال ” أي أنواع الحكم هي الأفضل “.
لذا سنتحدث عن ثلاثة من أهم المفكرين في تلك الفترة: وهم ( ميكافيلي – جين بودين – توماس هوبز).

ميكافيلي (1469-1527)

أهمية ميكافيلي بشكل أساسي تكمن في دورة في الإتحاد الإيطالي على الرغم من أن الوحدة الإيطالية لم تتم بشكل كامل قبل القرن التاسع عشر، إلا أن أفكاره كانت في غاية الأهمية.
ولفهم أفكار ميكافيلي بشكل جيد لا بأس أن نتحدث حول الفترة التي عاش فيها، ففي تلك الفترة في العصور الوسطى اتسمت بفقدان الفكر المسيحي لنفوذه. وبدأ التفكير النقدي يخرج من اطار الفكر الديني، وظهور النزعة الفردية. فكتب ميكافيلي كتابه باسم الامير متناولاً كيفية تأسيس امارة قوية. وقد أصبح مصطلح “makyavelist” في الأدب السياسي يدل على الحاكم القوي الذي يبني الدولة في أقرب وقت ممكن. و فكر ميكافيلي يتمحور حول أمير يستطيع تحقيق الوحدة الإيطالية في أقرب وقت، ولتحقيق تلك الغاية يستخدم كل الوسائل الممكنة، وإن لم تكن أخلاقية. فالسياسة والاخلاق شيء منفصل في رأي ميكافيلي ، وبذلك يكون قد خرج عن آراء الرواقيين و المسيحين وكذلك ارسطو الذين اتفقوا أن الغرض من الدولة امر أخلاقي.
إن الفكرة الأهم التي قدمها ميكافيلي والتي استمرت حتى عصورنا الحالية، أن القضايا السياسية بعيدة ومفصولة عن مبادئ الدين والأخلاق والميتافيزيقيا. وإن الأمير الذي سيحقق الوحدة الإيطالية يجب أن يستولي على الحكم بنفسه، لا عن طريق الوراثة. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بالقوة والدهاء والنفاق. كما يجب أن يكون ملماً بفن الحرب واستخدام الدعاية السياسية بمعناها الحديث. ويجب أن يكون الأمير محبوباً ومخيفاً في ذات الوقت،إلا أنه يجب أن يكون مخيفاً أكثر لأن القوه وحدها لا تكفي، بطريقة أخرى يجب أن يكون ثعلباً ناجحاً في الحرب و السلم أيضا.
في فكر ميكافيلي الدين كذلك أمر مهم في التوازن الاجتماعي لذا يجب أن يبقى تحت السيطرة. ويمكن القول كذلك إن الأفراد هم أدوات وإن الهدف الأسمى هو إقامة الدولة.
وللتأكيد على أهمية فكر ميكافيلي وتأثيره على أهم السياسيين في العصور المتأخرة فلا بأس أن نذكر أن موسوليني لديه كتاب بعنوان “مدخل الى ميكافيلي”.

المفكر الثاني هو جان بودان (1530-1596)

شهد هذا المفكر العديد من الاضطرابات السياسية و الدينية فقد نجا من مذبحه  Saint- Barthelemy. أما أهم كتبه “كتب الجمهورية الستة” فقد كتب فيه أهم أفكاره. و جدير بالذكر كذلك انه كان المدعي العام للملك.
و يشدد بودان في كتابه على أهمية التسامح الديني، وأن أصل الأديان واحده. وأن الحل لمعالجة الاضطراب السياسي إنما يكمن في تطوير مبادئ القانون العام. من خلال تعزيز ملك الدولة التي لا تتلقى أوامر من أي أحد كالبابا أو غيره.
وعلى الرغم من أنه يؤمن بأشكال مختلفة من السيادة إلا أنه يعتقد أن الله وقانون الطبيعة فقط من يستطيع أن يحد من استخدام السيادة، وذلك لأن القانون الطبيعي وأوامر الله هي فوق السيادة التي صنعها الانسان. واستخدام السيادة بهذه الطريقة يناسب المملكات في ذلك الوقت.
الدولة عباره عن اتحاد مجموعة من الأسر، لذا فإن الأسرة مقدمة على الدولة. وأن سلطه الدولة مثالاً لسلطه الأب، ونرى هنا دفاعاً عن المنطق الأبوي. إلا أن الفرق بين الدولة وبقيه المجتمعات هو سيادة الدولة المطلقة.

بالرغم من أن بعض أفكار بودين قد تُفهم أنها تشجيع للسيادة المطلقة، إلا أنه يدافع عن فكرة سلطه الملك يجب أن تكون غير محدودة، وأن الملكية لا يجب أن تتحول إلى استبداد . و قد فضل الملكية على الديمقراطية والارستقراطية.
أن مفهوم السيادة لبودين سينقلنا من الدولة الملكية الوطنية إلى الدولة القومية الديمقراطية. وقد اختلفت الآراء عن بودين فمنهم من اعتبره مختلفاً عن ميكافيلي، ومنهم من اعتبره يشبهه في دفاعه عن القوة الوحشية.

المفكر الثالث هو توماس هوبز (1588-1679)

تأثرت أفكار هوبز بالأحداث السياسية في بريطانيا في تلك الفترة، فقد اندلعت حرب طائفيه. وتم اعدام الملك “تشارلز الأول ملك إنجلترا ” وتم الغاء الملكية، وإعلان الجمهورية الأولى، وإن اتسمت بالديكتاتورية بعد الحرب الأهلية التي اندلعت في تلك الفترة.
وقد كتب اغلب أفكاره في كتابه Leviathan وهو اسم تنين في الكتاب المقدس، هذا التنين لا يمكن لأحد هزيمته. ونجد في كتابات هوبز مخاوف عن الحروب الدينية، ونقاشات حول تقييد سلطه الملك، إلا أن ذلك دفعه إلى تمكين أسس السلطة المطلقة.
لدى هوبز فان سلطه الملوك ليست من الله، وإنما من مصالح الأفراد. فإن الكائن Leviathan تم إنشاؤه بموجب عقد بين الناس لحمياتهم. وقد تحدث عن الحياه البدائية “الحالة الطبيعية” للإنسان حيث كان في حاله حرب مستمرة، أي بعبارة أخرى.

Homo homini lupus التي تعني الإنسان بمثابة الذئب للإنسان الاخر، كدلالة على الوحشية، والاقتتال الموجود في ذلك العصر.
ففي حاله الحرب المستمرة تلك لا يمكن أن تتطور حضارة ، لذا وللتخلص من هذا الوضع من الممكن إقامة عقد بين الناس يفقدون فيه جزء من حريتهم من أجل إيقاف الحرب المتواصلة وإقامة سلطه سيادية عليا. هذه السلطة حسب هوبز هي الحكم الملكي، ولديه سلطه واسعه يتم تداولها عبر العقد بين الناس.

أما سلطة الملك، فهوبز يدافع أن الملك لا يأخذ سلطته من الله، لذلك تُستخدم فكره العقد لهوبز للدفاع عن الحريات البرجوازية، وتقليص السلطة السياسية من الملك للشعب.

من الممكن اختصار الحالة السياسية في القرن الخامس عشر بانها كانت مرحلة هامة في بداية حملة الاستعمار التي استمرت لقرون كثيره بعد ذلك، وذلك كنتيجة للكشوفات الجغرافية، كما شهدت كذلك انتعاش اقتصادي كبير، سنناقشه بشكل أكثر تفصيلاً في الجانب الاقتصادي. كما لا يمكننا نسيان كذلك الصراع الذي نشأ بين البرجوازية من طرف والاقطاع من طرف آخر. لذا يمكننا القول بأن الأوضاع السياسية في القرن الخامس عشر كانت تمهيداً لتطورات وتغيرات أكبر في القرون التالية.

الجانب الاقتصادي:

سبق وتحدثنا في الجانب السياسي عن الاضطرابات والحروب والمجاعات التي حدثت في أوروبا في الفترة التي تسبق القرن الخامس عشر. فواحد من أسوأ تلك الأوبئة كان الموت الأسود ، جائحة من الطاعون الدبلي والرئوي الذي تم حمله على متن سفينة من بلاد الشام ، وصل إلى مدينه بروفانس الفرنسية في عام 1347 ، ودمر معظم فرنسا في عام 1348 ، وانتهى في عام 1350. لم يكن يوجد شيء لفحص السكان لحمايتهم من المرض ولم تكن هناك حملات لتطهير الهواء. كانت الوفيات مذهلة وبحسب تقدير المؤرخ الفرنسي جان فويسارت أن الموجة الأولى التي قتلت ثلث السكان، و ربما لم تكن خاطئة إلى حد بعيد. و تشير الأدلة إلى أن المناطق الريفية لم تكن أقل تضررا من المدن، وكان هناك تفشي متكرر للطاعون في السنوات اللاحقة. و كانت هذه الآلام والعوامل ذات الصلة مسؤولة عن انخفاض عام في عدد السكان. و يبدو أن تولوز قد فقدت نصف سكانها ، الذين انخفضوا من 40،000 إلى 20،000. و تشير التقديرات إلى أن عدد سكان نورماندي في فرنسا قد انخفض بنسبة الثلثين بين 1300 و 1450.6)Europe in the Fifteenth Century, Encyclopedia of fashion
إلا أن ازمة الاقطاع الأوروبي التي حدثت في القرن الخامس عشر كانت تختلف تماماً عن الأزمات التي حدثت للإمبراطورية الصينية او امبراطورية العرب في الشرق الأوسط ، او روما القديمة. فقد بدأ الانتعاش الاقتصادي منذ منتصف القرن الخامس عشر، وعلى الرغم من انخفاض عدد السكان بسبب المجاعة والمرض، إلا أن الوضع المعيشي تحسن لمن استطاع النجاة.

1-الريف والاقتصاد:

فقد ازدادت أهمية بعض المدن وأصبح بعض سكان الريف والقرى وخصوصاً اللوردات أكثر اعتماداً على ما تنتجه المدن. مما مهد بالانتقال الى نظام من الاكتفاء الذاتي. ومع ازدياد طلب أهل الريف للسلع ازداد الطلب على النقد كذلك، ويمكن تحقيق ذلك من خلال بيع جزء مما يتم انتاجه في الريف. وقد واصلت شبكات السوق اختراق الريف ، وربط كل قرية وكل أسرة بتجار المدن.
وقد كان للتجار الثانويين أهميه كذلك، فقد كان التجار في معظم الأحيان أغنياء واساتذة الاقتصاد الريفي. إلا أنه لا يمكننا اغفال تأثير تجار الحضر على الحياه الريفية والفلاحين، وذلك من خلال تشجيع الحرف الصناعية بعيداً عن سيطرة النقابات في المدن فقد بدأ في الريف نظام (putting-out system) وهذا النظام ببساطه هو أن يقوم التجار بتزويد العمال الريفيين بالمواد الخام وثم يقومون بتحويلها الى سلع مصنعه في بيوتهم بأسعار يشترطها التجار.
أما المناطق الريفية التي بُنيت فيها شبكه مواصلات مع المدن اتخذت خطوه نحو الرأسمالية الزراعية، إلا أن هذا التطور عزز القنانة ( نوع من العبودية). على مدى 300 عام تحركت بريطانيا وفرنسا وبعض أجزاء المانيا الغربية باتجاه، و أوروبا الشرقية و جنوب إيطاليا في اتجاه آخر، إلا أن كلا الاتجاهين لم تحدث فيه التغيرات بشكل سريع، وبدون صعوبات. لكن الوضع كان مضطرباً، حيث تحارب الملوك بين بعضهم البعض، وثار القرويون على اللوردات، وظهرت صراعات بين الأغنياء والفقراء في المدن.

2-الكشوفات الجغرافية والثراء الاقتصادي:

سبق وتحدثنا أن الكشوفات الجغرافية أدت الى تغيرات كبيرة في الجانب السياسي إلا أن التغيرات في الجانب الاقتصادي، كانت أكبر، فمع بداية الاستعمار والاستيلاء على مناطق جديدة، ازدادت المنتوجات وارتفعت أسعارها، مما حسن الوضع الاقتصادي، باستغلال البلدان المكتشفة و الاستيلاء على ثرواتها . إلا أنه وفي نفس الوقت ظهرت الحاجه للعبيد من أجل زراعة الأراضي و العمل في المناجم. فقد تغيرت وتدمرت حياة الملايين من السكان الأصليين للمناطق المكتشفة بسبب الذبح و الاستعباد.7)Europe in the Fifteenth Century, Encyclopedia of fashion
ومع تطور شبكات السوق بشكل تدريجي تغير شكل المجتمع الاقطاعي بشكل كبير. فأصبحت فئه صغيره من التجار ثرية للغاية بسبب نقلهم للبضائع الفاخرة من أوروبا الى الصين والهند وشرق آسيا، ولا ننسى هنا الدور الكبير للكشوفات الجغرافية في تطور طرق التجارة البحرية خصوصاً. وكانت تلك الثروة كافيه للبنوك والملوك لتحقيق مصالح سياسية و اقتصادية. مما مكن بعض كبار التجار والمصرفيين من السيطرة على الحياة السياسية في مدنهم والتحالف مع الملوك.
وبدأ الملوك يعتقدون أن مستقبلهم ليس فقط في قتال بعضهم البعض أو الزواج فيما بينهم من أجل السيطرة على الأرض ولكن أيضًا الاستيلاء على أرباح بعضهم بعض التجارية و تنميتها.
فقد شجع الملوك البرتغاليون التجار على استخدام السفن المبنية بأحدث التقنيات للسفر في جميع أنحاء إفريقيا للوصول إلى ثروات آسيا ، وقام ملوك إسبانيا الكاثوليك بتمويل رحلة كولومبوس إلى الغرب فوق المحيط الأطلسي، وهكذا بدأ التنافس بين الممالك الأوروبية يشمل التنافس الاقتصادي وليس فقط السياسي أو الاستعماري.

3-التجار وتطور الصناعة:

إن الثراء الاقتصادي في أوروبا الذي كان واحد من أهم أسبابه الكشوفات الجغرافية، نتج عنه تطور في الصناعة. فلقد تطورت صناعة النسيج. ففي منتصف القرن الرابع عشر ، تم تحويل 96 في المائة من الصوف في انجلترا، إلى نسيج تم تصديره الى خارج إنجلترا، وهو يعتبر من أهم صادرات بريطانيا في ذلك الوقت.
ورغم التطور الاقتصادي الكبير إلا أن التجار لم يكتفوا بذلك، بل حاولوا زيادة أرباحهم من خلال كسر قوه الحرفيين الفلمنكيين (الفلمنكيين هم أحد المجتمعات في بلجيكا ويتحدثون الهولندية). وقام التجار كذلك بالسيطرة على بعض القوى العاملة في الريف والتي كانت تعتمد في وقت سابق على الاقطاع الزراعي. بمعنى اخر هو استبدال شكل من أشكال الاستغلال بأخرى. ولم يكن يستطيع المنتجون كسب رزقهم إذا لم يذهب بعض الإنتاج للتاجر كربح.

ورغم هذا التطور النسبي، إلا أن الإنتاج أقتصر في أماكن العمل الكبيرة على عدد قليل من الصناعات ، في المقام الأول التعدين. وكانت صناعات التعدين بمثابة الخطوات الأولى نحو الرأسمالية المتطورة. علاوة على ذلك ، كان كل من التاجر، ومن يقوم بالتصنيع خاضعين لأوامر السوق ، و التي لا يستطيع السيطرة عليها. وافتقر المنتجون الريفيون المتناثرون إلى قوة نقابات المدينة للحد من الإنتاج، وللتحكم في الأسعار. و لم يكن لديهم خيار سوى مواكبة تقنيات خفض التكاليف. و في الوقت ذاته التنظيم الاقطاعي للصناعة فتح المجال أمام تنافس اكثر حدة.8)Europe in the Fifteenth Century, Encyclopedia of fashion

هذه التغيرات أجبرت بعض اللوردات للسعي للحصول على الأموال بأي طريقه، وقد اعتمدوا طريقتين في ذلك، الأولى اجبار الفلاحين على العمل أكثر مما زاد من العبودية ومعاناة الفلاحين، وذلك للحصول على ربح أكبر. اما الطريقة الثانية، فهي توظيف الفلاحين الذين لديهم أرض صغيرة، او ليست لهم أي أرض. وفي ظل ذلك الاستغلال من قبل التجار قام العديد من الفلاحين بالثورات مطالبين بحقوقهم والمساواة.

ولو أردنا اختصار الجانب الاقتصادي بإمكاننا القول إنه وفي القرن الخامس عشر، كان بمثابه تغير كبير، من الفقر و الجوع والمجاعات المتكررة الى مرحلة من الثراء، وإن لم يكن شديد الاتساع. إلا أن تطور التجارة في الدول الأوروبية أمر واضح بشكل كبير. كما لا يمكننا كذلك نسيان الأعمال الحرفية والتعدين وصناعة المنسوجات التي كانت بمثابة الخطوات الأولى للثورة الصناعية التي حدثت فيما بعد.

الجانب الثقافي:

غالبًا ما تُعتبر العصور الوسطى المتأخرة (القرنين الرابع عشر والخامس عشر) فترة انتقال للحضارة الأوروبية من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة. وشهدت نمو الاتجاهات العلمانية، والجمع بين دور التراث الثقافي القديم، والمنظور الانساني العالمي. ومع ذلك يصعب المساواة بين وأواخر العصور الوسطى، وعصر النهضة. لأن مفهوم عصر النهضة ينطوي على تغييرات في مجال الثقافة، ودور التراث الثقافي القديم، والمنظور الإنساني العالمي. و يجب أن يوضع في الاعتبار أيضًا أن الإطار الزمني لعصر النهضة اختلف بين مناطق مختلفة من أوروبا في غضون قرن أو قرن ونصف.9)Middle Ages. The National Library of Russia
ابتداء من أواخر القرن الرابع عشر وبرزت في القرن الخامس عشر بدأت منطقتان في قيادة تغير كبيره يسمى عصر النهضة في التعلم والثقافة والتجارة. و بدأ عصر النهضة هذا في ايطاليا خاصه حول مدينه فلورنسا. وفي منطقه تعرف باسم بورغندي والتي تضمنت اجزاء من فرنسا و هولندا المعاصرتين.

1-سلطة الكنيسة:

وقد اتسمت العصور الوسطى بأنها بيئة قمعية للغاية مع سلطه واسعة للكنيسة ورجال الدين. وقد كان للثورة التي بدأها ( Martin Luther (1483-1546) ve Jean Calvin (1509-1564) ) ضد سلطه البابا في تعزيز القوه العالمية الغربية الناشئة. ورغم ان هذه الثورة الدينية ليست ثوره سياسية بالمقام الأول، إلا انه كان لها الدور في تعزيز البرجوازية وتغيير المجتمع. وظلت الكنيسة ، على الرغم من الخسائر الناجمة عن الحرب والطاعون ، تتمتع بموارد اقتصادية أفضل من دورها المعنوي و الروحي، و كانت سلطه الباباوات في أفينيون يتم التنازع عليها من قبل منافسيهم في روما. وكانت هناك حركه من بعض رجال الدين في فرنسا تدعوا إلى الاستقلال الاداري من السيطرة البابوية. و استمرت الخلافات القضائية في الاحتدام بين العلمانيين وبين الأساقفة. وقد استخدمت الكنيسة الخوف من الطاعون كوسيله ترهيب وتخويف باعتباره عقاب من الله محاولين استماله الناس لصفهم.

2-تطور الثقافة:

ولقد ساعد اختراع الطباعة في عصر النهضة على تعليم الجمهور وتوفير المعلومة لهم ومن الأمور الواضحة التي نراها في هذه الحقبة هي زياده البرجوازية، والحد من صلاحيه الكنيسة ورجال الدين، وتحسن المستوى المادي للأشخاص، وتحسن ظروف التنقل والسفر مقارنه بالماضي. وصحيح أن الدول الغربية قد حُرمت من الوحدة السياسية في العصور الوسطى، إلا انها كانت تتحدث لغة واحدة، وهي اللغة اللاتينية. وهذا أدى إلى انتشار الأفكار التي ساعدت على النهضة في إيطاليا. والنهضة تعني ولادة جديدة، وفي هذه الفترة ركز الناس على الجانب الديني للاستفادة من الفن اليوناني القديم. أي ان النهضة كانت ضد الدين القمعي للكنيسة الذي كان منتشر في العصور الوسطى. وقد شهد القرن الخامس عشر العديد من الاحداث الهامة مثل الكشوفات الجغرافية و اختراع المطبعة الذي ساعد على تعليم الجمهور وتثقيفهم الذي كان نواة التطورات الفكرية بعد ذلك.
ولا باس ان نتحدث عن بعض الدول الأوروبية بشيء من التفصيل: حيث أن اسبانيا كانت في تلك الفترة تحت حكم ديني شديد، و اضطهاد محاكم التفتيش جعل الناس تعيش في حالة من الضغط الكبير ليس من الناحية الاقتصادية فقط، بل كذلك من الناحية الفكرية حيث يتم تذكيرهم بأن الناس قد خلقوا غير متساوين وأن هنالك اشخاص يتفوقون على الآخرين من الناحية العقلية والشجاعة.
أما في فرنسا و بحلول عام 1400 استعادت باريس القيادة الثقافية إلا أنه سرعان ما تم تدمير الازدهار بسبب الحروب الأهلية. ورعى الامراء و البرجوازيين، الرسامين والمهندسين المعماريين و الكتاب الذين ساعدوا في ازدهار مرح له ما بعد الحرب. وظهرت انماط جديده من الرسم والهندسة المعمارية. إلا أنه يمكن القول إن التقدم الذي حدث في ايطاليا لم يصل الى فرنسا إلا في الثلث الاخير من القرن الخامس عشر. فلقد دخلت ايطاليا عصر النهضة بالفعل في النصف الثاني من القرن الرابع العشر، كأول دولة أوروبية.

3-مفكرون وكتاب:

وقد شهد عصر النهضة ظهور العديد من الشخصيات المهمة من الناحيتين الفكرية و الأدبية نذكر منهم: فرانشيسكو بترارك ( 1304- 1374) وهو أول ايطالي أعاد علم الإنسانيات. و يعتقد الإنسانيون أن الحقائق الأبدية مختبئة تحت غطاء الاختراع الشعري للأدب القديم، فلقد رفضوا المعرفة الدراسية ، وأعطوا أهمية أساسية للأخلاق ، وعلم تكوين الانسان. وكانت السمة المميزة للإنسانية الإيطالية هي إتقان اللغة الكلاسيكية ، على النقيض من اللغة اللاتينية في العصور الوسطى. أعطى المعاصرون أهمية لرسائل بترارك حول التاريخ والأخلاق ، المكتوبة باللاتينية الكلاسيكية الجميلة. وأصبح بترارك من أهم الشعراء الكلاسيكيين في الادب العالمي.
واحد من اهم المؤلفين في تلك الفترة هو جيوفاني بوكاتشيو (1313-1375) وهو ليس أقل ذكاءً من بترارك، بل هو صديقه. ولا ننسى كذلك الفيلسوف الهولندي ، إراسموس (1469-1536). فقد احتل إيراسموس مكانًا خاصًا جدًا في دائرة المثقفين ، كما شغل منصبًا مؤثرًا بشكل غير مسبوق في المجتمع. وحقق منزله رفيعة في العلم والأدب، لأول مرة في التاريخ الأوروبي. وفي نفس تلك الفترة أيضا تمت ترجمة بعض الأعمال مثل أعمال ارسطو، وتحدى بعض المفكرين بعض الآراء المسلم بها مثل الآراء الدونية للمرأة مثل كريستين دي بيسان (1364 – 1430). وتعالت أصوات الموسيقى بأشكالها القديمة كالقصائد الشعرية. ولا ننسى كذلك الموسيقي غيوم دي ماتشاوت، الموسيقي العظيم في منتصف القرن الرابع عشر.
كما لا يمكننا كذلك اغفال المفكرين الذين وضعوا اطروحات مهمة في السياسة التي سبق ذكرهم في الجانب السياسي من قبل.

ولو أردنا اختصار الوضع الثقافي في تلك الفترة يمكن القول بانها كانت مرحلة مهمة للغاية ضعفت فيها سلطة الكنيسة مع ظهور عدد من المفكرين و الأدباء الذين كانت لهم بصمة في ذلك العصر وما بعده. إلا أنه ورغم ذلك التقدم الثقافي فقد تباينت الدول الغربية في التقدم، فقد تقدمت بعض الدول، وتأخرت أخرى، إلا أن التقدم الثقافي أمر في غاية الأهمية، فقد مهدت تلك الأفكار لظهور عصر النهضة بكل ما به من مفكرين وأفكار غيرت مجرى التاريخ. ومن الواضح كذلك أنه وفي تلك الفترة تم كسر النمطية في الأفكار المتداولة سواء أكانت تلك دينية من خلال ضعف سلطه الكنيسة، أم اجتماعية مثل الأفكار الدونية للمرأة.

الخلاصة:

مما سبق نرى وبوضوح أن القرن الخامس عشر عصر النهضة كان قرناً مهماً من الجوانب السياسية، والثقافية، والاقتصادية، وكان قرناً مهماً للغاية للوصول إلى التطور و الازدهار الكبير في عصر النهضة الذي غير شكل أوروبا والتاريخ.
إن التقليل، أو تجاهل دراسة هذا العصر، يمنعنا من أن نفهم عصر النهضة بالشكل الصحيح؛ فالقرن الخامس عشر هو بداية ومنطلق مهم للغاية لعصر النهضة، وإن لم نستطع فهمه بشكل صحيح، فلا يمكننا أن نفهم عصر النهضة، وكيف تم الوصول إلى التقدم الثقافي، والحضاري، والسياسي، والاجتماعي، وإن لم نفهم عصر النهضة، فلا يمكننا أن نفهم التقدم الحضاري الموجود بيننا هذه الأيام. فالطروحات السياسية، والثقافية، والاجتماعية، التي تشكل عالمنا اليوم، هي سلسلة مترابطة، وليست أعمالاً أحادية؛ ففي الكثير من الأحيان تتطور تلك الأفكار بمرور الوقت والقرون.

إن كانت لديك قصة تريد أن تشاركها مع العالم، فأرسلها عبر الايمايل التالي story@librabuzz.com
شارك مع أصدقائك

المراجع   [ + ]


ابراهيم نبيل بامطرف
ابراهيم نبيل كاتب يمني ، احاول ان اكتب شيئاً يستحق القراءة.