الصحافة من شرارة الى لهيب حارق: كيف تطورت الصحافة؟


الصحافة
الصحافة

لقد كان للصحافة أهمية كبيرة خلال التاريخ فقد سميت السلطة الرابعة حينا وهاجمها رؤوساء و سلطات حينا اخر بل كانت سببا قويا في اسقاط بعضهم في الكثير من الأحيان[1]كتب : مقدمة قصيرة عن الصحافة – ايان هارجريفز.
وفي هذه المقالة نحاول ان نسلط الضوء على كيف بدأت الصحافة وكيف تطورت لتصل الى عصرها الذهبي وكيف أصبحت في الوقت الحالي وذلك في العالم العربي والغربي .

ماذا نقصد بالصحافة؟

وقبل البدء بالتعريف بالصحافة وكل ما يتعلق بها وجب ان نتحدث عن الخلاف الموجود حول تعريف الصحافة فبينما يذهب فريق بان الصحافة هي نقل الاخبار سوى كانت شفهيا او كتابيا او باي شكل كان و بناءاً على هذا التعريف فالصحافة موجودة بوجود البشرية فالبشر منذ وجودهم تواصلوا مع بعضهم البعض بالكلام او الإشارة[2]? What is Journalism.

وهناك رأي اخر اعتبر ان بداية الصحافة باكتشاف الكتابة وتبادل الاخبار والرسائل المكتوبة سوى كان ذلك على الجلود او على الورق فيما بعد، مستدلين بذلك مثلا ان الملوك والامراء في بعض الأحيان كانوا يرسلون لهم موظفين الى ولايات أخرى لغرض جمع المعلومات فيقوم هؤلاء الموظفين بكتابه رسائل فيها كل المعلومات وهذا ما يشبه بالتقارير الصحفية التي يقوم بها المراسلون وكذلك الاخبار المتناقلة كأخبار الكوارث ونحوها كتلك المنشورة حاليا في الصحف  ولو اخذنا بهذا الرأي فهذا يعني ان الصحافة قد بدأت باختراع الكتابة أي ان الصحافة قد بدأت قبل 3000 عام.
وهناك رأي ثالث بان الصحافة قد بدأت بعد ذلك بكثير أي تحديدا في عام 59 قبل الميلاد في روما وقد سميت باسم Acta Diurna وباختصار هي ورقه كانت تنشر في الأماكن العامة ليتمكن الناس من قراءتها وكانت تحتوي على اخبار الإمبراطورية والطقس والطبقة العلياء واخبار الكوارث والحروب والحرائق ونحوها.

وما يجعلنا نأخذ بهذا الرأي ان الصحافة تحتاج الى عدة أمور مثل :

– لغة مكتوبة، فيجب ان يكون الشعب له مستوى معين من القدرة على الكتابة والقراءة.
– مستوى معين من الثراء ليستطيعوا شراء المنتج الاخباري و وقت فراغ لقراءته.
– ان يكون لهؤلاء الأثرياء المتعلمون اهتمام بقراءة ما هو منشور.

وفي وقت لاحق ولهدف نشر اهم الاخبار قد تطورت فكرة مشابهه في الصين وذلك اثناء حكم سلالة تانغ ( 618- 907) وقد بدأت فقط للمسؤولين بغرض اطلاعهم على اخر اخبار الدولة ثم بدأت في الاتساع لتشمل الطبقة الغنية والطبقة المثقفة في المجتمع. ولا يمكننا اغفال الدور الكبير للورق الذي اخترعه الصينيون. و جدير بالذكر انه عندما نتحدث عن التقدم التكنولوجي الصيني في حينها ان نتحدث كذلك عن الطباعة التي اخترعها الصينيون قبل المخترع الألماني جوهانس جوتنبرج بعدة قرون أي تحديدا في عام 1014م. وقد تأخر الأوروبيين في الاستفادة واستخدام تلك التكنولوجيا الحديثة ورجح بعض المؤرخون ان السبب وراء ذلك هو التعصب الديني خصوصا ان العرب هم من اوصلوها لهم بعد ان اخذوها من الصينيين. الا ان ذلك التردد والرفض انتهى تماما مع اختراع الطباعة الميكانيكية على يد جوتنبرج في عام 1450م. وفي الوقت نفسه لا يمكن انكار ان الدول الأوروبية في ذلك الوقت كانت غارقه في الجهل والامية وسوء التجارة والنقل ولعل مدينة البندقية وبسبب التقدم الحضاري  وجدت فيها بعض اشكال النشرات الإخبارية فلم تبرز الصحافة في أوروبا حتى القرن الرابع عشر بسبب الحاجة لها بسبب تطور التجارة و وجود عدد من المتعلمين في المجتمع[3]Journalism: A Brief History.

ولو اردنا تعريف الصحافة فيمكننا القول : “هي جمع وإعداد وتوزيع الأخبار والمواد ذات الصلة وتغطية الأحداث الجارية في شكل مطبوع ، لا سيما الصحف”.
ولكن مع ظهور الإذاعة والتلفزيون والإنترنت في القرن العشرين ، تم توسيع استخدام المصطلح ليشمل جميع الاتصالات المطبوعة والإلكترونية.


البداية الحقيقية للصحافة

ان كانت قد ظهرت الصحافة بأشكال متباينة قليلا في الماضي لغرض نشر الاخبار العامة ولطبقه اكثر تحديدا – الطبقة المثقفة الغنية- الا ان الصحافة ومع التقدم الحاصل في أوروبا على وجه التحديد قد شكلت قفزه هائلة. وقد ظهرت في القرن السابع عشر العديد من الأشكال البدائية للصحف في أوروبا و قد ظهر اول كتاب اخباري في عام 1621م وقد اتخذ هذا الكتاب شكل الصحيفة في اربعينات ذات القرن. وقد ظهرت اول صحيفة يومية باللغة الإنجليزية في عام 1702م . وقد توالى ظهور الصحف في دول أوروبا المختلفة فقد ظهرت اول صحيفة يومية في فرنسا في عام 1771م وأول صحيفة في أمريكا  1690م.
اما المجلات فقد ظهرت في القرن السابع عشر أي في عام 1709م كمجلات علميه وما لبثت ان انتشرت بشكل أوسع لتشمل جمهور أوسع واقل تعليما.
وقد انتشرت الطباعة بشكل كبير للغاية في وقت قصير جدا بل قال بعض المؤرخين انه خلال اول 50 سنة لوصول الطباعة الى أوروبا انتجوا كتبا اكثر مما تم انتاجها خلال 1000 عام وخلال المئة العام اللاحقة تم انتاج ما بين 150-200 مليون كتاب وقد كان للإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر اثر كبير في ازدهار انتاج الكتب وطباعتها ، الا ان تلك الكتب لم تكن مجانية.
وان كان اليوم للصحافة أهمية كبرى ويطلق عليها السلطة الرابعة فالأمر كان مختلف في بداية ظهور الصحافة حيث كان يتم النظر لمهنة الصحفي نظرة دونية وان الصحفي هو الشخص الذي يتجنب القيام بعمل حقيقي.[4]The Evolution of Journalism

 

الصحافة بين قيود السلطة و ازدهار الحضارة.

تعرضت الصحافة ومنذ ايامها الأولى لقيود السلطة وقد اختلفت هذه القيود ففي الماضي مثلا وضعت القيود على التصاريح المعطاة للصحف ومحاولة اغراء الصحف بإعطائها الامتيازات مقابل الولاء للحكومة. وان كانت حاولت السلطة الاغراء في أحيان فقد استخدمت القوة في أحيان أخرى عندما تقوم احد الصحف بنقد السلطة او بعض الثوابت الدينية الموجودة في ذلك الوقت. وقد كان للحكومة الحق في مراقبه ومصادرة أي مطبوع يخالف ما تراه ولو كان ما كتب امر حقيقي موجود على ارض الواقع.
ورغم كل الجهود التي بذلتها السلطة فقد تضاعف اعداد الصحف في العالم الغربي بشكل كبير فبحلول منتصف القرن التاسع عشر، كان هناك 400 صحيفة يومية و 3000 صحيفة أسبوعية في الولايات المتحدة. وان كانت الصحافة قد بدأت فقط من اجل طبقه محدده هي طبقه الأغنياء والمثقفين الا انه وبسبب التطور التكنولوجي الذي حدث قد أصبحت اكثر انتشاراً. الا انه وبشكل عام.. وفي بدايات انتشار الصحف وبسبب غلاء الأوراق والحبر ونحو ذلك كانت أسعارها مبالغ فيها ولا ننسى كذلك دور الحكومة بزياده الضرائب ونحو ذلك كنوع من أنواع محاربة الصحف. ونتيجة لهذا الغلاء كنا نرى في الصحف القديمة ان اهم الاخبار توجد في الصفحة الأولى وتجيب على أسئلة مثل ” من – ماذا – متى – كيف – لماذا ”  وهذا الأسلوب مستمر للأن والذي يدرس في كل الجامعات للطالب الصحفي مما يعني ان الصحف وخلال ما يزيد على 300 عام قد حافظت على شكلها باستثناء اختلافات طفيفة ، بل ان حتى الصحف القديمة عدد صفحاتها اقل وذلك نظرا لزيادة تكاليف الانتاج. وكمحاولة لتقليل تكلفة الصحف تضمنت الصحف ومنذ قديم الازل على الإعلانات.
في الوقت نفسه  كان بإمكان احد هؤلاء الأثرياء ان يقوم بشراء مطبعه وان يدير صحيفة مما حول الصحافة الى مشروع تجاري ، ولا يمكننا انكار تحول الصحافة الى تجارة موجود الى وقتنا الحاضر فمثلا في بريطانيا يسيطر رجل الاعمال الشهير روبرت مردوخ على اغلب الصحف وقنوات التلفاز.
وان صراع الصحافة والسلطة لم يكن محصور في بدايات انتشار الصحافة بل لا زال مستمر للأن، وان كانت قد حصلت الصحافة على مساحة أوسع للحرية فإن هنالك العديد من السلطات في الكثير من الدول النامية لا زالت تحارب السلطة فعلى سبيل المثال ففي الأنظمة الشيوعية فان الصحافة مملوكة للدولة فبالتالي  ان الصحفي في تلك البلدان يعتبر موظفا للدولة أي يقوم بوظيفتين معا موظفا للدولة وصحفيا في ذات الوقت، ودوره يستوجب كذلك قيامه دعم الايدلوجيا التي يؤيدها نظام الدولة. ففي تلك الدول كانت تتعرض الصحافة لرقابه صارمة حيث يتم تمجيد الدولة واخفاء إخفاقاتها وفشلها.
وبينما هنالك سلطات تحاول تكميم افواه والسيطرة على حريه الصحافة هنالك أنظمة أخرى كانت ترى في الصحافة شريك مهم للتقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي فهي ترى الصحافة شريك مهم للتقدم و طريقه جيدة لتثقيف السكان حول الحياة والسياسة والاقتصاد والثقافة في العالم الحديث.
وبينما هنالك من ينظر للحرية الصحافة كأمر مفروغ .. هنالك من ينظر لها كخطر يهدد عرشه .. وهنالك من ينظر لها كوسيلة للثقافة والتقدم هنالك من ينظر لها كوسيلة للهيمنة الغربية عليه.

الصحافة في العصر الحديث

وان كان يُنظر للصحافة قبل عدة قرون على انها مجرد مهنة من لا مهنة له فالأمر اختلف في العصر الحديث فقد اصبح للصحافة مكانة عالية وأساليب تُدرس في الجامعات.
اول مؤسسة صحفية تم تأسيسها في إنجلترا عام 1883م وتأسست نقابة الصحف الامريكية عام 1933م وحتى حوالي القرن التاسع عشر جميع الصحافيين لم يتلقوا تدريبا اكاديميا عن الصحافة. وقد بدأت جامعه ميسوري بتدريس الصحافة في عام 1879م وقد اتبعتها بعد ذلك جامعه كولومبيا في نيويورك عام 1912م.
بل ان الصحافيين طُلب منهم المزيد من التعمق والدراسة في بعض الأمور مثل الشؤون السياسية ، الاقتصاد ، والاعمال والعلوم ومع تطور التكنولوجيا وظهور التلفاز والراديو والانترنت اصبح الصحفيين مطالبين بالمزيد من المهارات والتقنيات في جمع المعلومات وعرضها.
وبسبب التقدم التكنولوجي الحالي انخفضت أسعار الصحف والمجلات واصبح تصميمها أجمل واكثر ابهارا ولفتا للبصر واكثر شعبية من الجمهور. وبسبب انتشار التكنولوجيا وسهولة الوصول الى المعلومة و وفرة البيانات  انخفضت قيمة الصحف، مما جعلها تحاول ابتكار طرق جديدة للنشر مثل البريد الالكتروني ومواقع التواصل الاجتماعية.
ولا تزال الصحف هي المصدر الاوثق للمعلومة عند الشعب الأمريكي متفوقه على التلفاز والراديو والتواصل الاجتماعي.

ورغم كل التقدم الحضاري الذي وصل له العالم بشكل عام والصحافة بشكل خاص الا ان العنصرية ما زالت موجودة  حيث يسيطر البيض على قطاع الصحافة بشكل شبة كامل حيث يشكل ذوي البشرة السمراء العاملين في قطاع الصحافة بحوالي 12% وهذا الامر مستمر منذ سبعينات القرن الماضي.

نصيب العرب من تطور الصحافة 

اخذت الصحافة العربية نصيبها كذلك من التطور وان كانت بعد تطور الصحافة الغربية بعدة قرون وفي الاصل من جلب الصحف والمطابع للعرب هم الغربيين اثناء حمله نابليون على مصر حيث قام عام 1800م بتأسيس اول صحيفة في الوطن العربي.

كما قام الوالي محمد علي باشا بتأسيس ثاني اقدم صحيفة وهي الوقائع المصرية عام 1828م وفي الجزائر قام الفرنسيون بتأسيس صحيفة المبشر عام 1847م بأمر من ملك فرنسا حينها[5]بدايات الصحافة العربية.
في عام 1885 أصدر رزق الله حسون في استنبول جريدة عربية أهلية باسم مرآة الأحوال العربية ويعتبر اول عربي يؤسس لصحيفه. وفي بدايات قرن العشرين كثر عدد الصحف العربية وخصوصاً في مصر، فصدرت المؤيد واللواء والسياسة والبلاغ و الجهاد.
واستمر التطور في البلدان العربية حتى وصل عدد الصحف العربية في عام 1870م ل27 صحيفة.
وتوالت انتشار وتأسيس الصحف في كل الأقطار العربية دون استثناء .

اما أول عربي أصدر صحيفة عربية، فهو رزق الله حسون الحلبي، الذي يسميه بعض مؤرخي الصحافة، إمام النهضة الصحفية، وجدَّ الصحفيين العرب، وزعيمهم، على الإطلاق، حيث أصدر “مرآة الأحوال” عام 1855، كجريدة أسبوعية سياسية، أثناء حرب القرم، بين الدولة العثمانية وروسيا، وتعد أول صحيفة عربية، نشأت في عاصمة السلطنة، وعاشت ما يقارب السنة، فكانت تنشر وقائع الحرب المذكورة، وأشياء أخرى عن أحوال بلاد سورية، ولاسيما لبنان وبعلبك وحاصبيا.

ظهرت اول مطبعة في الشرق العربي تلك التي أنشأها أحد البطاركة في حلب في أوائل القرن الثامن عشر، حوالي عام 1702.

وقيل إن حروفها أتت من بوخارست. ثم أُنشئت، في الأستانة، المطبعة الثانية، ولقي إنشاؤها معارضة شديدة من الحكومة ورجال الدين، الذين أفتوا بأن المطبعة رجس من عمل الشيطان، ولعل هذه المعارضة قد تكون احد أسباب بطئ تقدم الصحافة لدى العرب.

ثم عُرفت الطباعة العربية، في قرية الشوير، في جبل لبنان ويعود الفضل، في إنشاء أول مطبعة عربية، في لبنان إلى الشماس عبدالله الزاخر، التي أسسها، عام 1733م
وهي من أوائل المطابع العربية في العالم العربي، وكان أكثر ما يطبع فيها الكتب الدينية.
ظلت المطابع، في لبنان وسورية، مقتصرة على طبع الكتب الدينية، تقريباً، حتى القرن التاسع عشر، ثم توالى بعد ذلك إنشاء المطابع التي قامت إلى جانب طبع الكتب الدينية، بطبع الكتب العلمية والأدبية، وبعث التراث القديم. ومن أوائل المطابع العربية، التي أنشئت، في لبنان المطبعة الأمريكية، التي أنشأها، في بيروت عام 1834. ومن أهم المطابع، التي تأسست، في منتصف القرن التاسع عشر، مطبعة الأدباء اليسوعيين.

وفي عام 1819 او 1821 تم تأسيس مطبعة بولاق أو “المطبعة الأهلية” وتمثل هذه المطبعة الباب الواسع الذي دخل منه العرب إلى النهضة الحديثة. وقد بدأت كمطبعة لجيش محمد علي تطبع العلوم العسكرية والهندسية والجغرافية وصناعة الأسلحة والطب والطب البيطري وكل ما يلزم المؤسسة العسكرية.

ختاما وكما رأينا أعلاه كيف تحولت الصحافة من شرارة الى لهب حارق لا يمكن تجاهله في حياتنا وان كانت هنالك العديد من التهديدات التي تهدد الصحافة الورقية على وجه الخصوص نأمل ان تظل هنالك بعض الصحف محافظة على الاخلاق والشرف الصحفي. وان تقوم بالواجب المنوط بها على اكمل وجهه.

 

 

إن كانت لديك قصة تريد أن تشاركها مع العالم، فأرسلها عبر الايمايل التالي story@librabuzz.com

المراجع

المراجع
1كتب : مقدمة قصيرة عن الصحافة – ايان هارجريفز
2? What is Journalism
3Journalism: A Brief History
4The Evolution of Journalism
5بدايات الصحافة العربية
شارك مع أصدقائك

Librabuzz