Skip to content Skip to footer

هوس العشق : هل نحن مستعدون حقاً للوقوع في الحب ؟

طارق الحجام

فاح الحب هنا، فاح الحب هناك:

لا تكاد قدمي تطأ موضعاً ما حتى أجد أحاديث الحب تحوم حولي في كل مكان وكأن كيوبيد أسقط  خطأً زجاجةً من إكسير الحب فتحطمت داخل مجالسنا وفاح عطرها النفاذ في الأرجاء ما أدى بنا لتلك الحالة الهستيرية من الهيام!

أفتح مواقع الكتابة فأجد تصنيف العاطفة هو الأعلى في المشاهدات، أنضم إلى أحاديث الفتيات فأجدهن يتناقشن حول آخر المسلسلات الرومانسية، أتفقد طلاب الجامعة فأجد معظمهم متحمس لتجربة الارتباط العاطفي أكثر من اهتمامه بالدراسة، أتصفح تجمعات التعساء فأجد معظمهم يبكي مشاكل الحب وكأن لا فقر في عالمنا ولا ظلم ولا كوارث!

 هوس العشق:

يفسر البعض هذا الهوس المتزايد بفورة الهرمونات التي تبدأ منذ مرحلة المراهقة تليها التغيرات الجسدية والفكرية والاندفاع الشديد نحو الجنس الآخر بالإضافة إلى نقص الإنسان وشعوره الدائم بحاجته لشخص يكمله، فنخلق لأنفسنا دون وعي تاريخاً من الإحراج الأسود ما بين الإعجاب من طرف واحد وأحلام اليقظة وغزل التحرش والوقوع في علاقاتٍ طيش مدمرة وما قد يكون أسوأ كإدمان الإباحية!

غالباً ما يتناول الخبراء الموضوع من زاوية الفراغ العاطفي وخطورته على الشباب إلا أننا سنناقشه اليوم من زاوية مختلفة لا تلتقطها مناظير عواطفنا الوردية فنجد أنفسنا بعد دخول القفص الذهبي عالقين بجحيمٍ أبديٍ لا جنة كما كنا نتخيل لنلعن الحب وأهله على صفحات البؤساء فما السبب؟!

حمقى في الحب:

مشكلتنا يا أعزائي أن رؤيتنا عن الحب للأسف رؤية حمقى يسرفون في مشاهدة الأفلام ثم يجسدون توقعات حبهم على شريط خيالهم السنيمائي مَشاهدًا مبتكرة لعُشّاق كاملي الأوصاف وسط حقل من الزهور تساقط عليه حبيبات المطر بتقنية عرض عالية الجودة مع عزف كمانٍ حالمٍ في الخلفية. لنغفل بذلك عن موقعنا الحقيقي خارج إطار الشاشة.

ذلك أنه ما من إنسان كاملٍ في هذه الحياة يبقى أنيقاً ولامعاً طوال الوقت كما على الشاشة، وخلف باحات منازلنا لا توجد عادة حقول زهور بل مكب نفاياتٍ السكان.

كما أن البقاء تحت المطر لفترات طويلة لن يورث أجسادنا سوى بللٍ قد يؤدي للحمى ولا حاجة للحديث عن انعدام التأثير الموسيقي فيبدوا الواقع باهتاً ومخيباً للآمال عكس ما تخيلنا.

حقيقة النصف الآخر:

لطالما تغزلنا بالحبيب بأوصاف فنية أشهرها “القمر” في تمامه وجماله ونوره الذي يضيء ظلام وحدتنا الباردة.

ولكن بعيداً عن كل تلك المبالغات الشاعرية إن تأملنا القمر سنجده محض جُرمٍ معتم يسرق أشعة الشمس ليعكس لنا ضوءه الذي نتباهى به في أشعارنا بينما يظل نصفه الآخر معتماً في الخلفية التي لا نبصرها، وتلك تماماً طبيعة النصف الآخر التي علينا التعامل معها من الآن فصاعدًا.

فالحبيب لن يعطي اهتمامه بالمجان بل علينا أن نكون له كالشمس أولاً ونمنحه من نورنا أضعافاً قبل أن يرده إلينا وإلا صار كئيباً معتماً

وكما نتغزل بنصفه المضيء مثاليةً، علينا أيضاً تحمل نصفه الآخر المعتم سلبية ونقصاناً دون تأفف فالنصف الآخر هو حرفياً  “آخر”؛ جِنسٌ لا يختلف عنّا شكلاً وجسداً فحسب بل طبعاً وفكراً وعادة لذا قبل أن نغامر بحبه علينا أن نكون متأكدين من تمام فهمه والذي وضعت فيه مؤلفاتٍ عديدة يهملها أغلبنا حتى الآن.

فهل نحن حقاً مستعدون للوقوع في الحب؟

إن منطق المشاركة يحتم علينا أولاً قبل أن يفكر كل واحدة منا في الحب أن يسأل نفسه، هل هو قادرٌ حقاً على منح شريكته السكن والأمان والدعم المالي الكافي بالإضافة إلى تحمل مزاجيتها المفرطة وتناقضات عواطفها المجنونة إن كان رجلاً؟! وهل هي قادرة على منح شريكها  الذرية والعطف والدلال الكافي ورد إحسانه بالخدمة إضافة لتحمل حمق غلاظته وطبعه القاسي إن كانت امرأةً؟!

الحب عقل وقلب لا محض شهوة: 

لذا في المرة القادمة التي قد تتشدقون فيها بالحب أحاديثًا ومنشوراتٍ طوال لا تكونوا أنانيين وفكروا أولاً في كل تلك المسؤوليات التي عليكم منحها في المقابل حتى تتيقنوا مبلغ استعدادكم الحقيقي من عدمه، ودمتم عقلاء في الحب لا محض واهمين يركضون فقط خلف اللذة.