Skip to content Skip to footer

كيف تحاور ملحداً ؟

طارق الحجام

كيف تحاور ملحداً؟!

برز إعلان الكتاب أمامي أثناء تصفحي الاعتيادي للشبكة العنكبوتية وسرعان ما تجاوزته؛ كل إنسان من زاوية العصر الحديث حرٌ ما لم يضر ولا يشكل الملحدون في قاموس اهتمامي استثناءً من ذاك المبدأ؛ ماذا عساي أستفيد من هكذا حوار على أي حال، ليس وكأنني سأحاسب عوضاً عنه مثلاً أو تزيد حسناتي أو تنقص بسبب اعتقاده، لذا فليعتنق من يعتنق ويلحد من يلحد لا شأن لي؛ لكن الوضع يختلف حينما يطرق الملحدون بابك عوض أن تطرقه أنت بنفسك وهذا ما حدث لي.

الفضول قتل القطة:

بعد فترةٍ تغيّر العالم من حولي؛ أو ربما أنا من كنت مغمضة العينين عن كل تلك التغيرات واكتشفتها للتو فقط، لكن شيئاً فشيئاً بدأ الإلحاد يتسلل إلى حياتي من كل ناحية، بِدأً من الفيلم الذي أشاهده أو شخصيات الروايات التي أقرؤها، وصولاً إلى صفحات التواصل الاجتماعي، وكان غض النظر عن كل ذلك أمراً سهلاً مقارنة بالحملات التي طرقت باب محدثاتي الشخصي قارعةً جرس فضولي مباشرةً وبلا توقفٍ حتى استسلمت في النهاية، كما يقال: إن أردت التوقف عن حب أحدهم تزوجه وهكذا اضطررت لمحادثة بعضهم حتى أتخلص من هاجسي الشخصي نحوهم والذي بدأ في النمو.

المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين:

أذكر بوضوحٍ كيف حاورني منهم حتى الآن إثنان فقط لكنهما كانا كافيين لأغلق الباب بمصراعيه في وجه أي حوار آخر مع أمثالهم هزلياً كان أم جدياً.

  • أولاً: لست بالشيخ الفقيه قاهر الزنادقة والملاحيد بخبرته الواسعة ودراسته المتبحرة في المجال منذ سنين، وهو سبب منطقي كفاية لخياطة أفواه معظم الفضوليين إلى حد البجاحة من أمثالي!
  • ثانياً: – على وجه شخصي – فلأن حديثهم معي كان محض سلسلةٍ لا تنقطع من أكاذيب هشةٍ لا تسمن ولا تغني عن جوع!

أذكر منها أن أولهما كان فقيهاً عالماً -كما يدعي- درس كل أديان العالم دراسة متعمقة في عام واحد فقط، ولم يستطع الاقتناع بأي منها، بينما شيوخ الأزهر مثلاً -على حد علمي- يستغرقون ما يزيد عن ١٢ عاماً للتخصص في فرعٍ واحد من دين واحد!

حس الدعابة في الإلحاد:

والنقطة الأظرف في الحوار مراحل خلق الأجنة وتفصيلها في القرآن الكريم كما يعلم معظم المسلمون:

الأول يا سادة  اكتفى بقول أنها خاطئة بسبب كذا، وطبعاً رمى كذبة مغفلة مثله دحضتها على الفور بكذبة أخرى عن مقطع علمي أجنبي شاهدته مسبقاً يثبت صحة النظرية التي أؤمن بها ففر هارباً لنقطة أخرى يدفن هزيمته النكراء تحت تشتيتها كعادتهم الدميمة أجمعين.

أما الثانية فكانت أظرف صراحةً؛ أخبرتني بوجود المناظير منذ ما يزيد عن الألف وأربعمائة عام وكيف كانت قوية كفاية ليفحص العرب الجنين ويؤلفوا آيات القرآن -وحاشاه- مع أن أول مجهرٍ معترفٍ به في العالم كان بقوة تكبير 10x فقط ويستخدم في رؤية الحشرات الصغيرة وحسب! ثم ختمت حديثها بكل بجاحة بعبارة ابكمت فضولي حولهم للأبد: “أنا كما يعلم عني الجميع منطقيةٌ للغاية”.

صدقتِ أختاه!

الخبرة لا توزع مجاناً:

الآن من واقع خبرتي الشخصية أستطيع أن أخبركم بكل ثقةٍ وعنجهيةٍ مطلقة:

على شبكات التواصل الاجتماعي بالذات لا يوجد ملحدون حقيقيون بل جملة من الكاذبين البارعين لهدف خفي لا أدركه كنهه يقيناً.

لنتحاور بالمنطق:

  • أولا: فلنتحاور بالمنطق؛ إن كان هنالك ملحد حقيقي ذو اهتمام بالعقائد فلماذا سيخوض ببحيرة معرفةٍ ضحلة لشبابٍ من أمثالنا يقتصرون غالباً على معرفةٍ بسيطة ببعض العقائد التي يمارسونها ليس إلا؛ أليس الأولى أن يقفز في المحيط الواسع حيث حظوظ عثوره على الإجابة التي يتوسمها أكبر مع عالمٍ قديرٍ مثلاً، أعني ألسنا نبحث عادة عن أقدر الأشخاص ليجيبوا عن تساؤلاتنا المعقدة ولا نلجأ للأطفال؟! حتى المقال الذي أكتبه الآن لا بد لي من وضع رابطٍ يثبت صحة المعلومة التي ذكرتها عن أول مجهر فلا أحد يصدق شخصاً غير خبيرٍ في المجال دون دليل!
  • ثانياً: لما نُهدر وقتنا الثمين في محاولة تعريف أحدهم بديننا الذي نجهل معظم تفاصيله على الأغلب، أولسنا أولى بهذا الوقت الذي سنكرسة في التعمق لزيادة وعينا؛ لا سيما وأن كلاً منا سيحاسب على ما يعتقده هو وليس الأخرين!
  • ثالثاً: يقال أن “القلب لم يسمى قلباً إلا لأنه يتقلب باستمرار”، قد تمتلكون الآن تصوراً حول صحة تلك المقولة من وحي تجاربك لكن قليلون منكم فقط سيدركون مقدار الرعب التي تخفيه، أنت لست محصناً في وجه أي شيء في العالم مهما ظننت، وحتى أتفه الأخطاء التي تستهجنها يمكن أن ترتكبها بكامل قواك العقلية فيما بعد ولهذا يقولون على الأرجح “من عاب بعيبٍ ابتلي به” والإلحاد مهما كانت شدة إيمانك ليس استثناءً في تلك القضية، فلمَ  نلقي بأنفسنا تحت مسمى الفضول إلى تهلكة كتلك بدل ما يفيد؛ لا سيما وأن حالات الانتحار والمرض النفسي أمر مسلمٌ به من قبل الملحدين أنفسهم!

تعددت الأقنعة والأسلوب واحد:

لقد لدغت من جحر الإلحاد مرتين فقط حتى الآن وكانتا كافيتين لأدرك تشابههم جميعاً في الأسلوب مهما اختلفت أسماؤهم، يوهمونك بأنهم درسوا جميع الأديان مسبقاً ثم يحاولون تشكيك بأهم معتقداتك كذباً ومتى حشرتهم في الزاوية قالوا “الحجة على من ادعى” ثم يطالبونك بإثبات إجابة سؤالك الذي طرحته، دائموا التعتيم والهرب من زاوية لأخرى لتضليلك دون مواجهة، ويركزون على البديهيات التي تتبعها دون سبب محدد لإخراسك، والأسوأ من ذلك كاذبون بلا حياء.

لا تحاور ملحداً:

خلاصة التجربة أنني علمت، بل أيقنت ألا ملحداً حقيقي كفاية ليشبع رغبتي النرجسية في هزيمته حد أن يقر أمامي راكعاً بالدين كما يأمل معظمنا من الشباب المندفع؛ لذا فليلحد من يلحد وليعتنق من يعتنق لا شأن للعوام من أمثالنا إلا بأنفسهم.

الطريقة الأقوى والألطف:

وأي حوار مستقبلي قد يجمعنى بملحدٍ مهما بلغ إلحاحه -إن سمحت بذلك أصلاً- سيكون معدوم الفائدة، ومشروع نقاشٍ فاشل منذ البداية، لذا مهما وضعوا فيه من مؤلفاتٍ علمية -والتي لا تفيد سوى المتخصصين في هذا المجال أساساً- لن يحتاج الأمر مني سوى أسلوبٍ واحد:

– أنت لا تؤمن بالإله؟!

– بلى.

– وأنا أؤمن بالإله؟!

– نعم.

– والحجة الوحيد لإقناعك مئة بالمئة أن أريك الإله؟

– بكل تأكيد.

– والحل الوحيد لإقناعي أن تريني بأن ليس هناك إله؟!

– يبدو ذلك.

– ونحن لن نتأكد من ذلك يقيناً مادياً يخرس المخطئ أبدياً إلا بعد الموت.

– بلا شك.

– إذاً آراك في الحياة الأخرى كي نحدد المنتصر فينا وشكراً على النقاش اللطيف!


مصدر معلومة أول ميكروسكوب