Skip to content Skip to footer

حكم عليه الإعدام ظلما .. ونجى منه ثلاث مرات لأن منفذ الإعدام شعر بالتعب 

طارق الحجام

في جناح المحكوم عليهم بالإعدام في ملاوي، كاد أن يعدم بيسون كاولا ثلاث مرات، وفي كل مرة كان منفذ الحكم بالإعدام يشعر بالتعب ويضطر إلى التوقف قبل الانتهاء من قائمته.

بيسون كاولا لا يزال على قيد الحياة حتى يومنا هذا. من الممكن القول أن ما حصل معجزة.

لكن ذلك لا يكفي لإنقاذه من الموت المحتم، فما السبب وراء هذا؟

من مزارع فقير إلى مالك أرض

نشأ بيسون في قرية صغيرة بجنوب مالاوي، حيث كان معظم سكان هذه المنطقة يعملون بالزراعة وتربية المواشي، كانت الظروف المادية التي يعيشونها ضعيفة جدا، خصوصاً بالنسبة للفقراء الذين لا يمتلكون قطع أرضية وذلك لعملهم بأجور زهيدة جداً.

فكانوا يضطرون إلى العمل لساعات طويلة حتى يتمكنوا من تأمين لقمة العيش.

ما علاقة هذا ببيسون كاولا؟

بيسون كان أحد المزارعين الفقراء، وكان لديه حلم واحد فقط هو أن تتحسن ظروفه المادية ليتمكن من الاعتناء بعائلته وأمه العجوز.

قرر كاولا أن يسافر إلى جوهانسبرغ، جنوب إفريقيا ليجرب حظه، وبعد سنوات استطاع جمع ما يكفي من المال في صناعة الغاز، ثم قرر العودة إلى دياره ليستثمر في شراء قطعة أرض.

وقام بتوظيف خمسة أشخاص لمساعدته في زرع الفاكهة والقمح والذرة.

يقول ببيسون كاولا:

كان ذلك الوقت الذي بدأت فيه أيامي التعيسة.

بداية المأساة

يقول بيسون  أن غيرة جيرانه كانت السبب وراء إدانته بالقتل.

وآنذاك، وبالظبط في عام 1992، كان جزاء القتل عقوبة الإعدام الإلزامية.

كان جيرانه غيورين لنجاحه، لأنه استطاع التغلب على الفقر المدقع، وكانوا دائماً يتطلعون لأدنى فرصة لإفتعال شجار معه، لكنه كان يتجاهلهم مراراً.

في يوم من الأيام، هاجم الجيران أحد موظفيه، مما أدى إلى إصابته بجروح بالغة، لدرجة أنه لم يكن باستطاعة الرجل المشي دون مساعدة.

ذات يوم، كانت الأمطار تتهاطل بغزارة ونتيجة لذلك كانت الأرض منزلقة ويتعذر السير فيها، لذا حاول بيسون مساعدة العامل في الوصول إلى المرحاض، إلا أن الاثنان وقعا على الأرض.

توفي العامل بعد ذلك في المستشفى، لأن جسمه لم يستطع التحمل ، ووجهت تهمة قتله لبايسون وهو في عمر الأربعين.

شهد جيران بيسون ضده، في المحكمة.

لم تستطع والدته لوسي، التي كانت جالسة في آخر المحكمة سماع الحكم وكان عليها أن تسأل عما كان يحدث، عندما قيل لها أنه حُكم عليه بالإعدام، “نزلت الدموع بحرقة من عيني حتى تبللت ثيابي“، هكذا قالت الأم.

لا يزال بيسون يتذكر بوضوح الرعب أثناء انتظار دوره في ما يسميه “آلة القتل”.

عندما قيل لي:

يمكنك الآن الذهاب إلى قسم المحكوم عليهم بالإعدام في انتظار أن يتم شنقك، أوه شعرت كما لو كنت ميتًا بالفعل.

في ذلك الوقت، كان هناك جلاد واحد فقط، وهو مواطن جنوب أفريقي يسافر من منطقة إلى منطقة ليقوم بتنفيذ عمليات الإعدام. وهو يأتي مرة كل بضعة أشهر، كان السجناء يعلمون أن الوقت حان عندما يلاحظون غياب رفقائهم.

اليوم المنتظر

يتذكر بيسون أنه في أحد الأيام تم إخباره بتواجد اسمه  على قائمة الأشخاص الذين سيتم شنقهم خلال ساعات، أخبره أحد الحراس أن عمليات الإعدام ستبدأ في الساعة 13:00 وأنه يتوجب عليه  “بدأ الصلاة”.

استمروا حتى الثالثة مساءاً ، واضطر الجلاد إلى التوقف عن العمل لذلك لم يصل إلى نهاية القائمة، وبالتالي اضطر ثلاثة أشخاص بمن فيهم بيسون، الانتظار حتى عودته في المرة القادمة.

نفس الشيء حدث مرتين، كما يقول بيسون، يتم إعداد القائمة لكن الجلاد يتوقف، وفي كل مرة عن طريق الصدفة ، كان بيسون من بين الذين تركوا أحياء في نهاية اليوم. في المرة الثالثة، تم إعدام جميع السجناء المدرجين في القائمة باستثناءه.

بطريقة ما كان محظوظا، لكن التجربة أثرت عليه نفسياً وحاول الانتحار مرتين، لكنه نجا أيضاً.

بعد تأسيس الحكم الديمقراطي متعدد الأحزاب في ملاوي في عام 1994، توقفت جميع عمليات الإعدام.

ما تزال عقوبة الإعدام قائمة حتى اليوم  لكن لم يوقع أي رئيس على حكم بالإعدام لمدة 25 عامًا. يظل السجناء محكوماً عليهم بالإعدام لسنوات أو يتم تخفيف أحكامهم إلى السجن مدى الحياة.

شخص مجنون

في عام 2007 غيرت قضية تاريخية كل شيء. اعترف مدمن مخدرات بقتل ابن زوجته، لكنه قدم حججاً بأنه كان يمر بحالة جنون مؤقت.

ادعى دفاعه أن هذا ينتهك الحق في الحصول على محاكمة عادلة والحق في الحماية من “المعاملة اللاإنسانية والمهينة” – التي يضمنها دستور ملاوي، ووافقت المحكمة على ذلك.

وهذا يعني أن جميع أحكام الإعدام الإلزامية يجب إعادة النظر فيها.

كان ما يقارب 170 سجيناً مؤهلين للحصول على إعادة النظر في حكمهم، وكثير منهم يعاني من مشاكل عقلية أو من إعاقة فكرية.

تبين أن أكثر من نصف الذين يحق لهم عقد جلسة جديدة ليس لهم سجل بالمحكمة على الإطلاق – ولم يكن من الواضح سبب وجودهم في السجن.

لذلك حاول محامي بيسون إقناعه بتقديم قضية لتتم مراجعتها، تررد بيسون في البداية، فلازالت الكوابيس تتردد في ذهنه ويقشعر بدنه، لكنه وافق أن يخوض تحدي لعبة الموت.

عندما أخبره القاضي أنه حر،صعق من الصدمة ولم يستطع أن يصدق ما سمعه.

قال حراس السجن يمكنك الخروج ، لكنني لم أستطع الوقوف. كنت أرتعش، كان جسدي ضعيفًا للغاية … كان الأمر كما لو كنت أحلم ، ولم أصدق ما قاله القاضي.

والدة مخلصة

كانت والدته لوسي تقوم بزيارته كل عام أثناء سجنه، كانت تدخر أرباحها من زراعة القطن لمدة عام كامل ثم تذهب برحلة إلى زومبا حيث سجن بيسون، وكانت تجلب كل ما تستطيع يديها حمله.

لم تكن حاضرة يوم  حكم عليه بالبراءة، لكن ابنها الأصغر كان هناك، وعندما أخبرها بما حصل، استغرقت بعض الوقت لتصدق.

كنت أقفز مثل الحمل الصغير، كان قلبي ممتلئا بالبهجة

ذهب بيسون إلى مركز إعادة التأهيل لمساعدته على تعلم مهارات جديدة والتكيف مع الحياة الطبيعية بعد 23 عامًا في السجن.

كان بيسون الطالب الأكبر سناً إذ كان يبلغ 60 عاماً .

أصبح الآن يعمل كمتطوع في عطلات نهاية الأسبوع لتقديم المشورة للسجناء السابقين الذين يمرون بنفس التجربة.

وصارت الأرض التي اعتاد أن يزرعها  دغلا. توفيت زوجته خلال السنوات الطويلة التي قضاها في السجن وكبر أبناؤه الستة وانتقلوا بعيدًا.

يقول بايسون:

خلال فترة سجني، كنت قلقًا على والدتي. وبصفتي ابنها الأول، كنت أتمنى أن أخدمها ، لكن ما حدث منعني من ذلك، و الآن و قد عدت ولن أدعها تقوم بالأعمال الشاقة مجددا، لقد كلفت أشخاصًا آخرين للقيام بالأعمال عوضا عنها ولم تعد تذهب إلى الحقل، أنا من يذهب الآن.