Skip to content Skip to footer

قراءة في تاريخ مصر من خلال المسلسل التلفزيوني ليالي الحلمية

طارق الحجام

ليالى الحلمية :

فى إطار محاولاتي لقراءة الواقع، كان لابد من الرجوع للماضى للتعرف عليه عن قرب ومعرفة أصل حكاية مجتمعنا وطبقاته والمسارات التي مر بها وأوصلتنا لواقعنا الحالي!

وبما أن التاريخ يحمل دائمًا وجهة نظر راويه كما الخبر يحمل بصمة محرره أحيانًا،

 ذهبت لدراسة تحليلية للمسلسل التلفزيوني (ليالى الحلمية) للكاتب الكبير (أسامة أنور عكاشة) ذي الـ155 حلقة، في خمسة أجزاء عرضها التلفزيون المصري لأول مرة فى الفترة من 1987 إلى 1995.

التسلسل الزمني للأحداث:

بدأ المسلسل منذ عهد المملكة الدستورية للـ (الملك فاروق) والطبقة الارستقراطية المتحكمة في رؤوس الأموال، وأيضا أبناء الطبقة المتوسطة وطبقة الكادحين والمنخرط بعضهم في مقاومة الاستعمار البريطاني والتي وصلت فيه ذروة الأحداث يوم 25 يناير 1952 يوم الملحمة والفداء لرجال الشرطة والأبطال الشعبيين من المواطنين، فى مواجهة هيمنة المحتل الإنجليزى.

حيث ترتب على أحداث ذلك اليوم تطور سريع فى الأمور بحريق القاهرة، أعقبه إعلان من الحاكم العسكرى بحظر التجوال فى البلاد، فعجل كل ذلك بحركة الضباط الأحرار داخل الجيش. فبعد 6 أشهر فقط من أحداث 25 يناير 1952 أطاحوا بالملك والملكية من مصر.

التحول الجذري للأحداث:

بدأ التحول الجذرى فى مصر بعد ثورة يوليو 52 فى ظل زعامة (عبد الناصر) والرومانسية الاشتراكية التي سيطرت على المجتمع وازدهرت في 1956.

بعد عمليات التأميم واستقرار الحكم عقب الخروج من أزمة (العدوان الثلاثى)، إلى أن استفاق المجتمع من رومانسيته الاشتراكية على (نكسة 1967). 

تبعات النكسة:

تخلل ذلك تحويل العسكريين ومناضلي الاحتلال الإنجليزى والنظام الملكى في 1951 إلى موظفين إداريين في الدولة، همهم حماية مصالحهم، ظنًا منهم أنها هي نفسها مصلحة الوطن، مكونين ما سمي فيما بعد بـ(مراكز القوة).

وصاحب كل ذلك تأسيس الدولة البوليسية القوية، وأيضًا الإعلام الموجه كبوق للسلطة، والذين مازالوا يسيطرون على مقاليد الأمور حتى الآن.

 الحرب وما بعدها:

أتى عهد ( السادات) بعد أن حطت الحرب مع العدو الإسرائيلي أوزارها بانتصار (أكتوبر 73) ونعمت مصر بالسلام مع الجارة إسرائيل، وحل على مصر تغيير جذري جديد بدولة (الانفتاح الاقتصادى) -المزعوم-

فتضخمت رؤوس الأموال بعد عودة الطيور المهاجرة من رجال الأعمال منذ عهد الملكية، في محاولة منهم لإعادة الأمجاد الضائعة،

 صاحب ذلك طفو طبقة الانتهازيين على المجتمع الذين أسسوا لدولة رجال الأعمال الجدد، التي ازدهرت وقويت شوكتها في عهد (مبارك) ونجليه. فلا يجوز لأحد الاستثمار دون أن يتواطأ مع الفساد، إلا من رحم ربي.

مناوشات أسفل المظلة الفكرية:

تخلل في جميع عصور مصر في القرن العشرين والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين محاولات ومناوشات التيار اليمينى الإسلامى على مختلف جماعاته في الهيمنة وغزو المجتمع بأفكاره.

يقابلهم على الطرف الآخر محاولات المعسكر اليساري على استحياء وبكل وهن وضعف، متمثل في الأحزاب الشيوعية والاشتراكية، في ظل اندثار حقيقى لليبرالية والعلمانية في المجتمع. 

فنشبت الكثير من التطاحنات الفكرية في ظل حكومات ليس لها أي توجه فكري واضح سوى مجرد الهيمنة، ما أدى إلى مجتمع غير منتمٍ إلى مظلة فكرية محددة.

تهتك نسيج العدالة الاجتماعية:

وبرغم أن نسيج المجتمع الأساسى مكون من طبقة الفلاحين والعمال والحرفيين والمهنيين والموظفين إلا أن الاشتراكية لم تتغلغل في قلوبهم، فجاء نزعها منهم سهلا دون أي اعتراض.

وبرغم سيطرة طبقة رجال الأعمال ونفوذ رأس المال على المجتمع، إلا أنهم لم يحظوا بليبرالية حقة حرة تسود وتضمن حرية رأس المال وتوجهاته.

أدى كل ذلك إلى مجتمع لا يؤمن بالعدالة الاجتماعية أو ربما لم يعرفوها من الأساس. وطبقة من رجال الأعمال وأصحاب المصالح والطبقة الحاكمة لا يعرفون الحرية ولا يؤمنون بها، فقوتهم ونفوذهم أغنتهم عنها.

 ما بين الضحك والبكاء:

انتهى المسلسل ببيع أبناء (سليم البدرى) عمارة الحلمية -والتى كانت سراية في عهد الملكية- إلى سيدة أعمال جديدة كانت فى الأصل راقصة شعبية (عالمة)،

وأيضًا باعوا مصنع الحلمية للغزل والنسيج والذي حوى بين جدرانه أحلام عمال وكادحين من أجيال مختلفة، إلى رجل أعمال من أصل (فلاح) ابن (سليمان غانم) الذى لا يجيد تدوير ماكينته.

النهاية تضرب جذورها:

وذهب أولاد البدرى لإنتاج مواد استهلاكية في المنطقة الصناعية بضاحية (6 أكتوبر)، وسكنوا فى حي (المهندسين). ومن المتوقع أن ينتقلوا لاحقا إلى ضاحية (التجمع الخامس) كتطور طبيعي للمجتمع.

إلا أن مقهى الحلمية لورثة (زينهم السماحى) ظلت مستمرة وثابتة فى (الحلمية) تشهد على العصر برغم اختلافه، واختلاف “معلمين” المقهى… 

 

المقهى التي توارثوها من بعض وتوارثوا معها شهامة أولاد البلد الأصليين، الذين سيظلون الإطار الأساسي لقوام المجتمع المصري وتكوينه.