إذا كنت تتذكر أشياء لم تحدث من الأصل فأنت تحت “تأثير مانديلا”


تأثير مانديلا

هل سبق أن تذكرت شيأ أو حدث لم يحدث من قبل؟ إذا كانت إجابتك هي نعم فأنت تحت “تأثير مانديلا” وهي ظاهرة معروفة يتشاركها معك الكثير من الأشخاض.

لمذا سميت بـ”تأثير مانديلا”؟

في عام 2009، وقفت باحثة لإلقاء كلمتها بمؤتمر علمي، وتحدثت عن تأثرها الشديد بمشهد تشييع الزعيم الجنوب إفريقي “نيلسون مانديلا”، وأنها لا تزال تتذكر مشاهد البكاء والحزن، الغريب لم يكن أن “مانديلا” كان لا يزال حياً ومات بعد ذلك المؤتمر بـ4 سنوات، لكن الغريب حقاً أن عدداً من حضور المؤتمر شاركوها هذه الذكرى الزائفة، وروى كل منهم جانباً من المشاهد التي لا يزال يذكرها عن جنازة زعيم الحقوق المدنية.

أطلقت خبيرة الماورائيات “فيونا بروم” مصطلح “تأثير مانديلا” على ظاهرة الذاكرة الجمعية الخاطئة في عام 2010.  ورصدت كيف أن الناس في أنحاء عديدة من العالم كانوا يظنون أن الزعيم الجنوب إفريقي “نيلسون مانديلا” مات بالسجن في الثمانينات. والحقيقة أنه خرج من السجن في 1990، وصار لاحقاً رئيساً للبلاد ومات في 2013 بسنّ الخامسة والتسعين.

كيف يحدث “تأثير مانديلا”؟

في عصر التكنولوجيا الرقمية، لا يُعتمد على الذاكرة البشرية، فالقشرة الجبهية التي تُخزَّن بها الكثير من الذكريات لا تعمل بدقة وكفاءة أقراص التخزين.

ويعتقد العلماء أن استعادة الذكريات والتذكر يُثيران ذكريات أخرى في الذهن أثناء العملية، لذلك يمزج بين سيناريوهات متنوعة وأشخاص مختلفين بطرق جديدة، وهذه “إعادة تثبيت” للمعلومات في أدمغتنا إن شئنا القول.

يطلق على الموقع الفعلي للذاكرة في المخ اسم “تتبُّع الذاكرة”. وحينما نحاول استرجاع الذكريات، يتم نقل “تتبُّع الذاكرة” من مواقع مؤقتة مثل الحصين إلى مواقع التخزين الدائمة في القشرة الأمامية.

أُجريت دراسة عام 2016 حول الذاكرة الدلالية البشرية، وهي الذكريات طويلة الأمد للأفكار والمفاهيم الخالية من التفاصيل الشخصية، وفيها استخدم الباحثون التصوير الوظيفي بالرنين المغناطيسي؛ لإظهار أنه يتم تخزين كلمات مماثلة في المناطق المتجاورة من الدماغ، وحتى إنشاء “الخريطة الدلالية” للغة في القشرة البشرية. وأكدت دراسة حديثة أخرى أن آثار الذاكرة المشتركة منظَّمة بطرق مماثلة من فرد إلى آخر.

على الرغم من أننا قد نفكر في الذكريات باعتبارها معززة عند التذكر، فإن الحقيقة أكثر تعقيداً، وهي أن استرجاع الذاكرة يعيد تنشيط الخلايا العصبية، وهو ما يحفزها على تكوين اتصالات جديدة، بعد ذلك تصبح الدوائر المستقرة مستقرة مرة أخرى، وتتم “إعادة دمج” الذاكرة.

إعادة الدمج يمكن أن تعزز التعلم بمرور الوقت، من خلال تقوية الروابط العصبية والسماح بتكوين روابط جديدة، ولكن من الواضح أن تفكيك الذاكرة وإعادة تجميعها مرة أخرى يجعلان تلك الذاكرة عرضة لفقدانها الدقة.

كما أن البشر عرضة أيضاً لمفهوم التخريف، أي الخطأ أو سوء التفسير بخصوص الذكرى دون محاولة واعية للتضليل. ويقع التخريف حين يحاول العقل ملء فراغات الذكريات غير المكتملة. ربما يخلط المتحدث بين التجارب والمعلومات المتشابهة من أجل إكمال القصة في عقله بالتفاصيل والاستجابة العاطفية، ويتيقن من أن القصة حقيقية. وهذا السلوك يحدث بمستوى عالٍ مع الأشخاص الذين يعانون من المشاكل العصبية مثل الضرر الدماغي أو الألزهايمر، لكن يتعرض له الأصحاء أيضاً.

“تأثير مانديلا” يكون فردياً أو جماعياً

ما يفسر لماذا يتذكر شخص أمراً ما بتفاصيل غير دقيقة. لكن لماذا يسيء الكثير من الناس تذكُّر “الحقائق” نفسها؟

تشير “كايتلين أمودت” في دراسة سيكولوجية نُشرت عام 2016، أظهرت أن 8% من الأشخاص اختاروا “أليكساندر هاملتون” على أنه كان رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية من قائمة من الأسماء، وقد كان معدل التعرف على اسم “هاملتون” أكبر بكثير من بعض الرؤساء الأمريكيين الفعليين مثل “فرانكلين بيرس” و”تشستر آرثر”.

ولنشرح الأمر أكثر، ففي مرحلة ما من تعليم الأمريكيين، يتعلم معظم الطلبة أن “أليكساندر هاملتون” كان أباً مؤسساً للولايات المتحدة، ومع ذلك، عندما حققت دراسة حول الذاكرة الخاطئة بشأن من يعرفهم معظم الأمريكيين كرؤساء للولايات المتحدة، كان من المرجح أن يختار هؤلاء الأشخاص “هاملتون” بشكل غير صحيح.

وشرحت تفسيرها:

“بسبب الارتباط السياقي المشترك، كوَّن العديد من الأشخاص ذكرى زائفة بأن هاملتون كان رئيساً للجمهورية”.

“هاملتون” كان أول وزير للمالية في الولايات المتحدة، لكن اسمه كان أشهر من بعض الرؤساء الأوائل للولايات المتحدة الذين شملهم الإستطلاع، كما أن شخصيته وردت في مسرحيات شهيرة، لذلك فإن سياق الخطأ مفهوم نوعاً ما.

وأشارت أمودت أيضاً إلى قوة الإيحاء، إذ قالت:

“القابلية للإيحاء هي الميل إلى تصديق ما يوحي الآخرون بأنه حقيقي. لهذا يُحظر على المحامين سؤال الشهود أسئلة تُفشي إلى إجابة بعينها”.

وهذه النقطة، تقود إلى تفسير آخر لتأثير مانديلا، وهي “الإيحاء”، والميل إلى تصديق ما يوحي الآخرون بأنه حقيقي. فعندما يتم تقديم معلومات خاطئة، يمكن أن يؤدي ذلك إلى تقويض دقة ذاكرة موجودة بالفعل، هذا هو بالضبط السبب الذي يجعل المحامي يعترض في “محكمة قانونية” على “الأسئلة الرئيسية” التي تقترح إجابة محددة.

لا يقتصر الأمر على عذه الأحداث العامة ، بل يمتد أيضا إلى كلمات الأغاني وجمل حوارية شهيرة من الأفلام، بل إلى العلامات التجارية والشخصيات والرسوم المتحركة الشهيرة، أشهرها مثال شخصية “بيكاتشو” من سلسلة “بوكيمون”، فرغم اعتقاد كثيرين أن للشخصية ذيلا أصفر له طرف أسود، فإنه في الحقيقة يملك ذيلا أصفر بالكامل.

 

إن كانت لديك قصة تريد أن تشاركها مع العالم، فأرسلها عبر الايمايل التالي story@librabuzz.com
شارك مع أصدقائك

Ghita Bennis