Skip to content Skip to footer

تعرفوا على طريقة علاجية للشفاء من خلال الموسيقى الصوفية

طارق الحجام

من المقبول لدى الكافة أن الموسيقى لها تأثير على الإنسان بصورة أو بأخرى، وإذا بدأنا بالأيام الأولى للحياة سنجد البشر يولدون ولديهم قدرة سمعية عالية يتجاوبون من خلالها مع المؤثرات الصوتية المختلفة، وطبقا لما قاله البروفيسور Keith Moore فحاسة السمع من أولى الأعضاء التي يكتمل نموها في الجنين، فحاسة السمع تبدأ العمل والجنين بعمر 24 أسبوعا فقط(( Keith Moore, T. Persaud. 1998. “The Developing Human,” Edition 6)). وكثير من الآباء يهدئون أطفالهم الصغار من خلال الغناء المعتاد الذي توارثته الأجيال، والرضيع بعدما كان في بيئة منظمة داخل الرحم يخرج ليفتح عينه على عالم ملئ بالمصاعب والشدائد والفوضى، هكذا وفي ظل هذه الظروف تظهر حالة عدم الارتياح أو المرض وحاول الطب الحديث جاهدا إيصال الحسد إلى حالته المتناسقة التي ولد بها الإنسان مرة أخرى.

خلال هذا المقال سنتجول في التاريخ لنعرف متى وكيف تطور العلاج بالموسيقى وسنركز على التنقنيات التى استخدمها الفلاسفة المسلمون، وسنشرح أساسيات العلاج الروحى في الطريقة المولوية وموقع الموسيقى داخل الطريقة، وبعد ذلك سنذكر التشابه بين الموسيقى والمخترعات الحديثة لنقل الطاقة اللاسلكية، كما سيحتوى المقال على تجربة مصغرة تفتح الباب لكثير من الدراسات متعددة التخصصات ولأبحاث جديدة لمناقشة استخدام المقامات الموسيقية المختلفة لعلاج الأمراض الجسدية والروحية للأفراد.

نبذة تاريخية عن العلاج بالموسيقى

عبر التاريخ الإنساني فهم الإنسان وأستوعب تأثير الموسيقى ووضع طرق لعلاج الأمراض المختلفة بالاستماع للموسيقى وتكشف لنا السجلات التاريخية استخدام هذه الطريقة العلاجية في مختلف الحضارات العريقة مثل مصر القديمة، والصين، والهند، واليونان، والرومان. فعلى سبيل المثال كان المصريون القدماء يسمعون مرضى الموسيقى قبل إجراء العمليات الجراحية، وفي الأساطير اليونانية أبوللو عزف على القيثارة حتى يُشعر الناس بالسعادة، ولقد قام العديد من الفلاسفة القدماء من أمثال بايثاجوراس وهيبوقراط وسقراط، أبحاث حول هذا الموضوع ووصلوا فيه إلى استنتاجات((Enver Sengul. 2008. “Kultur Tarihi icinde muzikle tedavi ve Edirne Sultan II. Bayezid Darussifasi,” Trakya University, Turkey, July)).

بدأ المسلمون استخدام الموسيقى للعلاج وبصورة منتظمة منذ ثمانية قرون حيث أنشأ السلاجقة والاتراك مستشفيات للمعالجة من خلال الموسيقى((Enver Sengul. 2008. “Kultur Tarihi icinde muzikle tedavi ve Edirne Sultan II. Bayezid Darussifasi,” Trakya University, Turkey, July.))، وكان المرضى يداوون بالموسيقى والأدوية الطبية جنبا إلى جنب. ولقد عرف التاريخ الإنساني شخصيات هامة مثل زكريا الرازي (854-932م)، والفارابي (870-950م)، وابن سينا (980-1037م) جميعهم كانوا أطباء وموسيقيين قاموا بأبحاث حول تأثير الموسيقى على المرضى ومدى فاعليتها للعلاج، بل إن الفارابي قام بأبحاث عن تأثير مختلف المقامات الموسيقية على الحالة النفسية للأشخاص خلال مختلف ساعات اليوم((Suleyman Sirri Guner. 2007. “Muzigin Tedavideki Yeri ve Sekli,” Karadeniz Arastirmalari, Issue)).

ولقد تنبه الصوفية لأهمية الموسيقى واستخدموها للوقاية من الأمراض الروحية والحصول على حالة روحية متزنة،وفي الزوايا المولوية استخدموا الموسيقى للعلاج وللتعمق في الذكر. وفقا للتصور الصوفي فالخلل هو كل شيء يؤدي عدم التوازن والتناغم بين الإنسان وماحوله من الموجودات، وبين التوازن بين الإنسان ونفسه الحقيقية، ولتحقيق التوازن أو إعادته أو للوصول إلى مقام ومرتبة معينة من المراقبة والإدراك استخدم الصوفية المولوية الموسيقى بصورة منظمة ووضوعوا لها قواعد وأسموا هذه العملية بـ”العين”

خصوصيات تقنية العين

سننقاش الآن بصورة مختصرة التقنية الموسيقية الصوفية المستخدمة خلال العين لتحقيق الشفاء الروحي. كان يتم إجراء عملية المعالجة هذه مرة في الأسبوع داخل الزاوية أو أكثر بحسب الضرورة. هذه المراسيم برمتها ترمز إلى الرحلة الروحية التي يسلكها المريد لاكتشاف ماهية وحقيقة الخلق داخل نفسه، وتبدأ المراسم بضربة قوية وعميقة على طبل ترمز إلى خلق الله للكون بأمر كن، ويتبع ذلك عزف على الناي ويكون ارتجاليًا حسب حالة العازف فكل مقام يعالج ويخاطب حس وشعور مختلف يختلج صدر المريد ولذلك فاختيار المقام يعتبر عملية في غاية الأهمية وتحتاج لعناية خاصة، والتقسيم الوسيقي يمثل عملية الحياة بعد الموت للمريد وبينما تعزف الآلات الموسيقية يقوم الدراويش بالقيام والمشي داخل الغرفة. ويتم العزف الموسيقى بطريقة معينة تسمى”الدور الكبير”(وتعتمد على 28 ضربة على الدف) يتبع ذلك التحول للموسيقى الصوتية ويبدأ الدراويش في الدوران بصورة معينة. والموسيقى الصوتية أيضا لها أصولها حيث تتكون من  أربع مقاطع كل مقطع منها يسمى”سلام” ينتقل بين مقطع إلى آخر بتغير المقام وأصول القاطع الصوتية؛ فالمقام الأول غالبا ما يعزف فيه ما يطلق عليه “دور روان” وهو يتكون من (14 ضربة) وقد يستخدم مايطلق عليه “الثقيل” وهو يتكون من (8 ضربات)، والسلام الأول والثالث يكونان أطول من السلام الثاني والرابع، والسلام الثاني والرابع يكونان من خلال التقسيم الذي يطلق عليه” الأوفر” وهو يتكون من (9 ضربات ثانوية)، والتنقل غالبا ما يكون خلال “السلام” الثالث حيث تسرع وتيرة الضربات، هذه المراسيم تتم باستخدام آلتان موسيقيتان يعزف عليهما بطريقة تجمع بين مقامان موسيقيان يطلق عليهما Duyek و Yuruk Semai((Mehmet Gonul. 2004. “Mevlevi matbah-i seriflerinde musiki ve sema egitimi,” Selcuk University))

المعالجة بالمقامات والآلات الموسيقية

إن مراسيم “العين” يمكن أدائها من خلال أي مقام موسيقي وغالبا مايتم التنقل بين المقامات داخل المراسيم. ويمكن تعريف المقام بأنه نظام لأنواع اللحن تتألف من مجموعة معقدة من القواعد في تكوينها وآدائها، ولكل مقام بنية فريدة يتم آدائه بها. والمعالجون بالموسيقى من العلماء المسلمين أخضعوا المقامات للتجربة والبحث وهكذا توصل الفارابي ونقل لنا تأثير كل مقام على الإنسان بصورة تفصيلية فعلى سبيل المثال مقام الرست يجلب الشعور بالسعادة والراحة، ومقام ” بوسليك” يحفز قوى الإنسان ويجعله أكثر تحملا، بينما مقام الصبا يجعل الإنسان أكثر شجاعة ويزيد من الطاقة.

لم يكتف الفارابي بذلك بل قدم لنا الأوقات التي يكون فيها المقام أكثر تأثيرا على الإنسان فمثلا: مقام “العشّاق” يكون تأثيره أكثر فاعلية خلال فترة الظهيرة، ومقام “النوى” يكون أكثر تأثيرا في الساعات المتأخرة من الليل، أما المقام “الحسيني فيكون أعظم تأثيرا فجرًا، إلخ((TUMATA: Traditional Turkish Music Research and Promotion Society)).

وبالعودة للمولوية نجدهم استفادوا من استخدام المقامات المختلفة وتعدد الآلات الموسيقية، فكل آلة من تلك الآلات يكون لها تأثير مختلف على الإنسان، وخلال أداء مراسم “السماع” يتم العزف على الآلات المختلفة والانتقال بين المقامات بصورة منظمة ومحسوبة ومتناغمة فبدءا بضربة على الدف يتبعها موسيقة هادئة على الناي يتبع ذلك عزف جماعي على الآلات بصورة متناغمة لتوزيع الطاقة في المكان.

استخدام الترددات الصوتية

ولقد تنبه صناع الموسيقى في عصرنا إلى التأثيرات المختلفة للموسقى على الإنسان في مختلف أوقات اليوم، كما يوجد أمل فيما يمكن فعله اليوم من خلال التطور التكنولوجي والتطور الطبي في هذا المجال ويمكن استخدام هذه الترددات في معالجة بعض الأمراض العصبية والنفسية والروحية من خلال تزويد الجسم بالطاقة اللازمة التي من خلالها يحدث توازن داخل الجسم وتؤدي لشفاء المريض.

ولقد كشف مؤخرا الفيزيائيون عن اكتشاف مشابه حيث توصل علماء في جامعة ” MIT ” إلى نقل الطاقة الكهربية من خلال التردادت الصوتية بين سلكين منفصلين(( A.B. Kurs, A. Karalis, R. Moffatt, J.D. Joannopoulos, P.H. Fisher, and M. Soljacic. 2007. “Wireless Power Transfer via Strongly Coupled Magnetic Resonances”, Science, 317, pp. 83-86.))، بشرط أن يكون السلكين على بعد معين من بعضهما وأن يتعرضا لنفس التردد وهكذا تنتقل الطاقة من خلال الوسط ولا تتلاشى.

ومن خلال الترددات الصوتية يمكن تزويد الإنسان بالطاقة الازمة لإعادة التوازن داخل الجسم، ودعوني أقص عليكم التجربة التي أجريتها على طفلي ذي 6 أشهر، لقد لعبت على إحدى الآلات الموسيقية النوتة (E) وقمت بتشغيلها على الهاتف من بعد معين بحيث يستطع الطفل سماعها بصورة مريحة ومباشرة، وهنا توقف الطفل عن البكاء وخلال عدة دقائق استغرق في النوم، بل الأعجب أن نفس التأثير لم يحدث عندما قمت بأستخدام النوتة الموسيقية (C)  أو (D)  واستنتجت من خلال تلك التجربة أن طفلي يتفاعل بصورة كبيرة مع النوتة (E)  وترددها 660 هرتز، وهذا ماشجعني على وضع علاقة للموضوع من المقامات.

لقد استطاع رواد المولوية تزويد مريديهم بالطاقة اللزمة لتوازنهم الروحي ووصولهم إلى مستويات أعلى من الإدراك والوعي، واليوم عن الطريق التقدم التكنولوجي والطبي سنتمكن من التوصل إلى الترددات الازمة لشحذ طاقة الإنسان، كما وسنتمكن من فهم الطاقة الكامنة داخل التردادت الصوتية.