Skip to content Skip to footer

10 من طرق القراءة الفعالة: تتبع مسارات المعرفة

طرق القراءة الفعالة
طارق الحجام

تعتبر القراءة جسرًا يمتد عبر الزمان والمكان، مكنًا أفراد البشرية من التواصل مع الأفكار والثقافات بأسلوب لا مثيل له. من خلال الغوص في أعماق النصوص، نسافر إلى عوالم مجهولة، نخوض مغامرات لم يسبق لنا تجربتها، ونلتقي بأفكار تشكل فهمنا للعالم من حولنا. القراءة ليست مجرد عملية ترفيهية أو طريقة لاكتساب المعرفة فحسب، بل هي أيضًا وسيلة للنمو الشخصي والتطور الفكري.

إن اختيار طرق القراءة المناسبة يتجاوز كونه مجرد قرار عابر؛ فهو يحدد مدى قدرتنا على استيعاب وتفسير المعلومات المقدمة. سواء كانت عبر الصفحات الورقية التي تحمل رائحة الحبر وتشعرنا بالارتباط الحميم بالنص، أو من خلال شاشات الأجهزة الإلكترونية التي تفتح أمامنا نافذة على العالم الرقمي الواسع، تؤثر الطريقة التي نختارها للقراءة على تجربتنا القرائية بأكملها.

في هذا العصر الذي يتسم بالتغيرات السريعة والتقدم التكنولوجي، تصبح أهمية الاختيار الواعي لطرق القراءة أكثر وضوحًا. ليس فقط لما تحمله من فرصة لتعزيز التجربة الذاتية، بل أيضًا كوسيلة لضمان استمرارية التعلم والاستفادة القصوى من كل كلمة نمر عليها. وبهذا، نعيد تأكيد الدور الجوهري للقراءة في تشكيل فكرنا وتوسيع آفاقنا.

طرق القراءة الفعالة
Image by andreas on Freepik

“إذا كنت تقرأ فقط الكتب التي يقرأها الجميع؛ فستفكر فقط كما يفكّر الجميع.”

  هاروكي موراكامي

طرق القراءة الفعالة

في عالم تطغى عليه وسائل التواصل الاجتماعي وتتشابك فيه خيوط الثقافة بسرعة فائقة، تبرز أهمية إعادة النظر في طرق القراءة التي نتبعها. القراءة، بأبسط تعريفاتها، هي عملية استيعاب المعلومات والأفكار المكتوبة، لكن الطريقة التي نقرأ بها يمكن أن تؤثر بشكل كبير على مدى استفادتنا من هذه العملية.

  1. القراءة النقدية: تحليل النص وتقييم الأفكار بنقد بنّاء.
  2. القراءة السريعة: تطوير القدرة على استيعاب المعلومات بسرعة لزيادة الفعالية.
  3. القراءة التصويرية: استخدام تقنيات التخيل لتعزيز الفهم والذاكرة.
  4. القراءة العميقة: التركيز الشديد لفهم المعاني الكامنة والسياقات.
  5. القراءة الانتقائية: اختيار المواد القرائية بعناية لتحقيق أهداف محددة.
  6. القراءة المتعددة المستويات: الجمع بين أنواع مختلفة من القراءة لتعميق الفهم.
  7. القراءة الموجهة: استخدام أسئلة أو أهداف محددة لتوجيه تركيز القراءة.
  8. التلخيص والتعليق:ىكتابة ملاحظات وتلخيصات للأفكار الرئيسية لتعزيز الاستيعاب.
  9. القراءة التفاعلية: المشاركة في مناقشات حول النص لتوسيع الفهم والتفكير النقدي.
  10. القراءة المتأنية: التباطؤ وتخصيص وقت كافٍ للتأمل في ما يتم قراءته.

طقوس قرائية عديدة دلفت إلى عالم القراءة منذ سادتْ مواقع التواصل الاجتماعي معظم تفاصيل حياتنا، بين صور فناجين القهوة بصحبة كتاب ينوي فلانٌ قراءته، ومجموعاتٍ خُصصت لتبادل الكتب وترشيحها، وظاهرة الكتب الأكثر مبيعاً والاقتباسات التي تُنسب لهذا الكاتب وذاك.

القراءة التقليدية مقابل القراءة الرقمية

في السابق، كانت طرق القراءة تقتصر على الكتب والمطبوعات الورقية، لكن اليوم توسعت لتشمل القراءة الرقمية عبر الأجهزة الإلكترونية. كل طريقة لها مزاياها: الكتب الورقية توفر تجربة حسية غنية وتساعد في التركيز، بينما تتميز القراءة الرقمية بسهولة الوصول والتنوع الهائل للمحتوى.

ما هي مشكلتنا الحقيقية مع القراءة؟

تكمن المشكلة في أساليب القراءة الخاطئة، فهي إما سطحية لا تلامس أعماقنا، أو قراءة للغثّ غير المفيد، أو أنها تحمل طابعاً استعجالياً يطالب القراءة بحلول خرافية سريعة لكل مشاكل المجتمع، فإن لم تحلها فهي آثمة، نعتقد أن كتاباً واحداً سيقلب حياتنا، وننتظر منه المعجزات، نعدّ كمية ما قرأناه ولا نفهمه، فمع مثل هذا التعاطي لن تستطيع القراءة مساعدتنا، لا لشيء، سوى لأننا لا نريد!

أساليب القراءة الخاطئة

لتحقيق الاستفادة القصوى من الكتب والنصوص، من الضروري تبني طرق القراءة الفعالة التي تعزز الفهم والاستيعاب. ومع ذلك، في رحلتنا نحو تحسين مهاراتنا القرائية، قد نقع في فخ اتباع طرق القراءة غير المثمرة دون أن ندرك. الوعي بـ أساليب القراءة الخاطئة هو الخطوة الأولى نحو تجنبها وتحسين تجربتنا القرائية. فيما يلي قائمة ببعض الأخطاء الشائعة التي يجب أن نسعى لتجنبها لضمان قراءة أكثر فعالية وإثراء.

  • القراءة دون تركيز: تصفح الصفحات دون إعطاء انتباه كافٍ للمحتوى.
  • تجاهل السياق: ىعدم الأخذ بعين الاعتبار الخلفية الثقافية أو التاريخية للنص.
  • القفز على الفقرات: تخطي أجزاء من النص بحجة عدم الأهمية دون تقييمها.
  • القراءة السطحية: الاكتفاء بفهم المعنى الحرفي دون تحليل أعمق للنص.
  • التسرع في القراءة: محاولة إنهاء القراءة بأسرع وقت ممكن على حساب الفهم.
  • التشتت أثناء القراءة: السماح للملهيات بإعاقة التركيز والاستيعاب.
  • الاعتماد المفرط على الملخصات: الاكتفاء بقراءة الملخصات دون الغوص في النص الأصلي.
  • التحيز الأولي: السماح للآراء المسبقة بتشكيل فهم النص دون نقد.
  • عدم مراجعة الفهم: الفشل في استعادة أو مراجعة ما تم قراءته لتعزيز الذاكرة.
  • إهمال النقد الذاتي: عدم تحليل كيفية تأثير النص على المعتقدات والأفكار الشخصية.

الوقوع في هذه الأخطاء يمكن أن يقلل بشكل كبير من فائدة القراءة ويحول دون تحقيق الاستفادة القصوى من الوقت المستثمر فيها. يجب عليك تحري طرق القراءة البسيطة التي تجعلك تتذكر ما تقرأه.

القراءة السطحية والعميقة

بعد التعرف على أهمية تجنب أساليب القراءة الخاطئة، من المهم التمييز بين نوعين أساسيين من القراءة: القراءة السطحية والقراءة العميقة. كل منهما يخدم غرضًا مختلفًا ويؤثر بشكل متباين على استيعاب المعلومات وتطور المعرفة.

القراءة السطحية، كما يوحي الاسم، تعني التعامل مع النص بشكل ظاهري دون الغوص في معانيه العميقة أو تحليل الأفكار المقدمة بتأني. هذا النوع من القراءة قد يكون مفيدًا عند البحث عن معلومة محددة أو عند قراءة مواد لا تتطلب تفكيرًا نقديًا عميقًا. ومع ذلك، الاعتماد المفرط على القراءة السطحية يمكن أن يؤدي إلى فهم محدود للموضوعات المعقدة ويحرم القارئ من الغنى الفكري الذي تقدمه النصوص.

من ناحية أخرى، القراءة العميقة تعد استثمارًا في الوقت والجهد لفهم النص بشكل كامل. هذا يعني التفكير في الأفكار المقدمة، التساؤل عن الافتراضات، الربط بين النقاط المختلفة داخل النص ومع المعرفة السابقة، وتقييم الأدلة والحجج. القراءة العميقة تمكن القارئ من بناء فهم أعمق، تطوير التفكير النقدي، وتعزيز القدرة على النقاش والتحليل. علاوة على ذلك، تساعد في بناء روابط معرفية دائمة تثري الذاكرة وتوسع الأفق الفكري.

في سعينا لتحسين مهاراتنا القرائية، من الضروري موازنة بين القراءة السطحية والعميقة بناءً على طبيعة النص والأهداف المرجوة من القراءة. من خلال التعرف على الفروق بين هذين النوعين من القراءة وتطبيق طرق القراءة المناسبة في الوقت المناسب، يمكننا تعزيز فعاليتنا كقراء واستكشاف العمق الحقيقي للمعرفة بشكل أكثر فاعلية.

إذن.. هل تؤثر فينا القراءة حقاً؟ وكيف؟

الأمر أكثر تعقيداً مما توقعنا، تتغلغل الكلمات إلى دواخلنا، وتبدأ ببناء هيكلها كلمة كلمة، لا تظهر على سطح نفوسنا مباشرةً،

وتسحرنا سحراً بل إنها وبالتدريج تعمل عملها لتؤسس بنياناً تتنوع أنواع لبناته وألوانها ومدى صلابتها، تبقى تلك الكلمات تتراكم، لتنتج أفكارنا، وربما لتغيّر عبر السنين وعينا بالأمور فتصقلنا.. الكلمات..

حساءُ عمْرٍ يستوي على مهل، يخبزك ويعجنك برفقة ما يمرّ بك من أحداث حياتك، فيختلط واقعك بما تقرأ، ليشكل فيما بعد الخليط المتجانس أو غير المتجانس من أفكارك التي تحملها،

قد تستمرُ بالقراءة طويلاً، وبهذا، تعتني بأفكارك أكثر، وتنضج يوماً بعد يوم، بالقراءة التي تعمل جنباً إلى جنب مع الحياة،

وقد تقلع عن القراءة، وتترك ذاك البناء غير مكتمل، أبتر، فتدخل أفكارك طور الجمود، وتتوقف عندها فكريّاً عن النمو..

أمّا عندما تستمر أفكارك في قفزاتها البيانية، بين صعود وهبوط، وتدخل كل المراحل العمرية التي تشبه مراحل عمر الإنسان،

فتارة تغدو طفلة تحاول وتخطئ كيفما اتفق، وتارة تغدو مراهقة مغامرة تودّ تجريب كل شيء، وتارة تظهر عليها ملامح الحكمة والرشد، وعندما يشتد عود هذه الأفكار، تتسرب إلى السلوك، وإلى المشاعر، لتجعل منك شيئاً فشيئاً شخصاً جديداً،

لن تنتبه إلى كمّ التغيير الطارئ عليكَ ما لم تتذكر فجأة نفسك القديمة وتقارن..

إما الوصفات السحرية، لكلمات تقلب حياتك مئة وثمانين درجة، ولكتبٍ تعلّمك “كذا” في مدة ثلاثة أيام دون معلّم، ولكاتبٍ فلانيّ صاغَ أسطورة عجيبة وأرادك أن تكون بطلها،

كل هذا لن ينجح، ستتأمل وتجد نفسك لم تتعلم “كذا” في أيام ثلاثة، وتُحبط، وتجلس تندب، والمشكلة أنك لم تعطِ كل ذي حقّ حقه، وطالبت بنتيجة سريعة خارقة مزلزلة،

“غير نفسك في أسبوع”، و”أخرج العملاق الذي في داخلك عبر ثلاث خطوات”، ما دمت تحتاج وصفة جاهزة، فهذا يعني أنك تطلب من الكلمات إعماءك وتنويمك مغناطيسياً لا النفوذ إلى داخلك.

هنا يتبادر إلى ذهننا سؤال.. ما الذي تفعله القراءة ؟ وهل من سبيل لتؤثر بنا؟

إنها تؤثر، جيلاً بعد جيل، عاماً بعد عام، كتاباً بعد كتاب، وكاتباً بعد كاتب.. تؤثر بنا تزامناً مع أيام حياتنا موقفاً بعد موقف، وتصنعنا وتصقلنا بقدر ما نمنحها من اهتمامنا..

الحلّ ليس استعجال النتيجة، فلست تدري متى يتبلور في ذهنك ما قرأته، ومن ثمّ يتحوّل إلى فكرة.. إلى أن تتحول الفكرة إلى سلوك، والسلوك إلى عادة..

طريق القراءة الحقيقيّ، هو الطريق الوعر، الصعب الطويل، الذي قد تملّه حيناً لتشتاق إليه وتعود حيناً آخر، وليس ذاك الكتاب الوحيد الذي قلبك رأساً على عقب، فكان الكتاب الذي لن تحتاج إذن لتقرأ بعده..

على العكس،إنه الكتاب الذي تشعر أنك لم تكتفِ به، والذي شدّك لتبحث عن وجهات نظرٍ أخرى، لتملأ وعاء ذاتك من موضوعه عبر كتّاب ومفكرين آخرين..

خلقت القراءة أصلاً كي لا نشبع منها، كي نسأل ونسأل، دون أن نعرف متى سيقدر لنا الله معرفة الجواب، وإنما نكون راضين بأن نحرك أذهاننا ونسأل.

وبما أننا ما زلنا نسأل تتبادر إلى الذهن نقطة أخرى، فماذا عن الظاهرة السائدة هذه الأيام حيث يستنجد عضو مجموعة ما بالبقية ليرشحوا له كتاباً ما، هل هي ظاهرة سلبية أم إيجابية؟

ربما كانت القراءة قبل عالم “الفيس بوك” وإخوته أمراً شخصياً، فالقارئ له تفضيلاته الواضحة ويبحث عن كتبٍ تناسبها، أو يستشير أشخاصاً مقربين يعرفونه ويعرفهم،

أما في أيام مجموعات الكتب، فالسائل لا يعرف من يسألهم، وما قد يعجب هذا لن يعُجب ذاك، وهناك عشرات الكتب التي مجدها كثيرون فسخط عليها آخرون وعلى من مجّدوها،

ذلك أن فكرة ترشيح كتاب لشخص ما هكذا بالمطلق ودون تمحيص ليست فكرة موفقة،

سيما إن مُدح الكتاب دون موضوعية أو شابَ وصفَه تحيّزٌ للكاتب، تنجح مثل هذه النصائح عندما تعي كل الأطراف أن المكتوب ليس إلا رأياً قد يخطئ وقد يصيب، وأن ما يعجب هذا قد لا يعجبني، وأن شخصيتي وتفضيلاتي يناسبها هذا الكتاب أو لا يناسبها،

وربما لم يكن من الإنصاف أن يقول أحدهم: “إنني أتقصى عن الكتب الأكثر مبيعاً، فما إن أجدها وأعرفها حتى أفرّ منها فرارَي من حرب!”

ولكنه رغم ذلك قولٌ يمكن تفهمه إن نظرنا إلى حمّى تقديس كتاب معين وإن لمسنا أن شهرته لا تأتي فقط من جودته وإنما من حجم الدعاية التي خصصت له، فهناك كثير من الكتب المنزوية المغمورة التي تفوق في جودتها ما رأى نورَ الترويج.

الدور الثقافي والاجتماعي للقراءة

القراءة ليست عملية فردية بحتة؛ فهي تشكل جزءًا من تفاعلنا الثقافي والاجتماعي. مجموعات الكتب ومناقشات القراءة تساعد في تبادل الأفكار وتعزيز التفاهم المتبادل. ومع ذلك، يجب الحذر من تأثير “صدى الغرفة” حيث يمكن أن يؤدي تبادل الأفكار ضمن مجموعة متجانسة إلى تقليل التنوع الفكري.

ختامًا..

القراءة في جوهرها هي رحلة استكشافية تنير العقل وتغذي الروح. إن التبصر في طرق القراءة التي نتبعها والسعي لتحسينها يمكن أن يعزز تجربتنا القرائية، مما يؤدي إلى فهم أعمق وتجارب أكثر ثراءً. في هذا العصر الرقمي المتسارع، يجب ألا ننسى قيمة التأمل والتفكير العميق الذي توفره لنا القراءة الجيدة.